غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من المكسيك

المفقودون الـ43.. "أحياء أخذتموهم.. أحياء أعيدوهم"

ملف المكسيك 2017
المفقودون الـ43.. "أحياء أخذتموهم.. أحياء أعيدوهم"

ما زلت أتساءل عن السبب الذي دعا أوغو بيلتران غونسالس لتصحيح جملتي حين سألته عن المخيم المنصوب في شارع لاريفورما وسط المكسيك لدعم المفقودين الـ43، فقد قاطعني قائلا إن كلمة "مخيم" لها دلالة "برجوازية" ومن الأفضل أن أقول "اعتصام" أهالي وأنصار المفقودين الـ43.

وفي أحد الشوارع الحيوية وسط العاصمة المكسيكية نصب الرقم 43 بشكل بارز يوحي باهتمام حكومي بمسألة المفقودين الـ43، مع أن قضيتهم لم تحل حتى الآن.

اختفى الأثر وبقي الرقم

في 24 سبتمبر/أيلول 2014 اختفت مجموعة من الطلاب في العشرين من أعمارهم يدرسون بمعهد لتأهيل المعلمين في منطقة ريفية ببلدة أيوتسينابا في طريقهم للعاصمة المكسيكية. كان طلاب ذلك المعهد وطلاب آخرون من أماكن متفرقة من البلاد معتادين على الخروج في مسيرة في 2 أكتوبر/تشرين الأول من كل عام إحياء لذكرى المجزرة التي ارتكبها الجيش المكسيكي بحق طلاب خرجوا في مظاهرة احتجاجية بمدينة تلاتيلوكوكو عام 1968.

الطلاب -وهم يساريون ماركسيون- قرروا أولا المرور ببلدة إغوالا لمقاطعة نشاط سياسي تشرف عليه البلدية، لكن الشرطة أوقفتهم في الطريق وعندها بدأ لغز اختفائهم.

الرواية الرسمية -بحسب صحف مكسيكية- تقول إن الشرطة قادت الطلاب لسجن غيريرو، وهناك قتلوا وأحرقت الجثث وألقيت في مكب نفايات بين الجبال بأمر من رئيس بلدية إغوالا خوسيه لويس أباراكا، لأن الحدث السياسي الذي رغب الطلاب بالاحتجاج ضده كان يخص زوجته ماريا دي آنخلس بينيذا، وهما متورطان مع عصابات الجريمة المنظمة.

امتلأت القضية بالكثير من الشهود الذين تضاربت أقوالهم، وتشكلت لجنة دولية حقوقية للنظر في الأدلة والشهادات ومستجدات التحقيق، وخلصت إلى أنها لا تستند إلى براهين قوية، وأن الحكومة تخفي أمرا ما، لأن العينات التي فحصت لجثث محترقة في ذلك المكان لم تتوافق مع الحمض النووي للضحايا.

سنوات ثلاث مرت على الاختفاء القسري، 130 شاهدا في القضية لم يصدر حكم بحقهم، عائلات المفقودين ما زالت مستمرة في الخروج بمسيرات ومظاهرات واعتصامات، تصرخ "أحياء أخذتموهم.. أحياء أعيدوهم".

أوغو بيلتران غونسالس هو أحد المنظمين والقائمين على الاعتصام المقام وسط العاصمة، يتحدث للصحفيين والمهتمين عن أسباب مقرهم الدائم الذي يرفض وصفه بالحملة أو المخيم.

يقول إن الاعتصام أقيم للتذكير بكل المفقودين، وهم 26 ألف مفقود من أيام حكم الرئيس المكسيكي السابق فيليبي كالديرون الذي حكم المكسيك بين عامي 2006 و2012، بل وما قبل ذلك التاريخ، والآن يضاف إليهم الـ43.

كان متحمسا للحديث وكأن المسألة تخصه شخصيا، فأحد المفقودين السابقين كان معلما له.

سألته "هل حققتم شيئا باعتصامكم؟ فيقول إن "ثلاثة من المدعين العامين تغيروا منذ الاختفاء القسري بسبب صمود المعتصمين ونشاطاتهم المستمرة، ثم يواصل الحديث عن هدف الحكومة في إخفاء النشطاء لإسكاتهم، وأن هذا هو دأبها منذ عام 1968 "في تلك المذبحة قتلوا النساء والرجال كي ينشروا الخوف ويحذروا أي شخص يجرؤ على الاحتجاج، يعتقدون أن باستطاعتهم السيطرة على أي احتجاج بتلك الطرق ومنع الناس من الخروج للشارع".

ويوضح غونسالس أن تعامل الحكومة مع تلك الفئات كونها تحمل أفكارا يسارية وقد شكلت مجموعات ثورية من المعلمين "فحتى تكون معلما في تلك المناطق الريفية لا بد أنك فقير وفلاح"، وهو ما أفقدهم الكثير من الامتيازات لدى الحكومة، مما ساهم في تصاعد الاحتجاجات منذ الستينيات وانتشار الشيوعية بين طلاب معهد المعلمين والمعلمين أنفسهم.

وكانت الحكومة لجأت لنفس الأسلوب الذي اتبعته معهم عام 1968، ويؤكد غونسالس أن اعتصامهم لن يحمل حكومتهم فقط على التفكير مرارا بتصرفات قمعية كتلك، بل حكومات دول أخرى تتبع نفس النهج.

مناصرو الاعتصام -بحسب غونسالس- هم من جميع الأطياف ويدعمونه منذ أن أقيم في 26 ديسمبر/كانون الأول 2014، أي بعد ثلاثة أشهر على اختفاء الـ43، الحكومة تولي اهتماما فقط بالقضية عند اقتراب انتخابات البلدية ثم تتناساها تماما، لأنها تراهن -والكلام لغونسالس- على تعب المعتصمين ونسيان الناس ويأس الأهالي الذين يخرجون في مسيرة بالـ26 من كل شهر.

نتائج الاعتصام قليلة بالقياس لمطالب الأهالي الذين يقولون إنهم طالما لم يتسلموا جثث أبنائهم فهم على قيد الحياة، والحكومة مطالبة باسترجاعهم، ولحين استرجاعهم عليها معاقبة المتورطين، وهو أمر لم يحدث حتى اللحظة.

لا سياسيين في الاعتصام

يشدد غونسالس على عدم استقبال مقر الاعتصام أي سياسي حتى لا يكون هذا بمثابة دعاية لذلك السياسي أو لحزبه، وحين سألته عن التعاون فيما بينهم وبين "الساباتيستا" قال إن الساباتيستا جيش وليس حزبا سياسيا، صحيح أنهم عملوا في السياسة فترة، وأن لديهم الآن مرشحة للرئاسة هي ماريا دي خيسوس باتريسيو -لم يسمها مرشحة بل ناطقة رسمية- لكنهم مع هذا ليسوا حزبا سياسيا. وأشار إلى أكثر من لافتة في المكان حصلوا عليها من الساباتيستا، كما أن الكثير من منظمي الاعتصام هم من الساباتيستا أو من المناصرين لهم.

وعن دعم الفنانين والمثقفين لاعتصامهم أشار غونسالس إلى أنه مرضٍ نوعا ما، فقد ألفت قصائد وأغان عن المفقودين وأنجزت عنهم أعمال فنية، ومن بين أكثر المنادين للكشف عن مصير المفقودين ومعاقبة المجرمين الكاتبة المكسيكية إلينا بونياتوسكا (الحائزة على جائزة سربانتس للأدب، 2014).

من 1968 إلى 2014

إلينا بونياتوسكا، إنها "الأميرة الحمراء" ذات الأصول الأرستقراطية البولندية التي هاجرت مع عائلتها في وقت مبكر للمكسيك، التقيتها بمعرض الكتاب في العاصمة المكسيكية، قرأت مقاطع مؤثرة من أحد كتبها، وهي التي اشتهرت بروايتها "ليلة تلاتيلوكوكو" التي ستبقى شهادة للتاريخ عن أحداث تلك المجزرة عام 1968.

تمكنت من الحديث معها بعد أن أنهت التوقيع لعدد من قرائها وبدأت الحديث عن إهمال الحكومة لضحايا الزلزال الذي أصاب المكسيك في سبتمبر/أيلول الماضي، قلت لها إنني أريد الحديث عن المفقودين الـ43، وبدا أن مصائب بلادها تحتاج لأكثر من لقاء، وأنها مستعدة لنقد حكومة بلادها في كل اللقاءات.

"لماذا لم تتحرك الحكومة بعد قتل المفقودين الـ43؟" طرحت هي السؤال جازمة بمقتلهم وبدت مقتنعة -بعكس الأهالي- بذلك، وأجابت -وهي لا تنتظر مني إجابة- "لأنهم فلاحون فقراء، هذه حكومة عنصرية، وأن تكون فلاحا فقيرا فأنت لا تعني شيئا بالنسبة للحكوميين والسياسيين، هذه حكومة متلاعبة فبعد أن الاختفاء القسري للـ43 ذهبت الحكومة لمعهد تدريب المعلمين ووزعت شهادات ومنحت مكافآت مالية كنوع من التغطية على جرائمها بدل التحرك وكشف المجرمين ومعاقبتهم".

سألتها إن كان بإمكان الأدب أن يغير الواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه بلد مثل المكسيك، تتكرر فيه حوادث الاختفاء القسري وتكثر فيه الجريمة فلم أتمكن من الحصول منها على إجابة واضحة.

×