غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
أميركا الوسطى

«الخاما» من الأندلس إلى أميركا الوسطى: تلاقح ثقافات ولقاء قارات

نشر في صحيفة العرب — 2013
صورة عائلية قديمة لعائلة عربية مهاجرة في أميركا اللاتينية
عائلة من المهاجرين العرب في أميركا اللاتينية · صورة أرشيفية

في العالم الجديد، الذي يقبع في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، حيث قبائل المايا والناهواتل والإنكا والأزتيك، يتقاطع تاريخ عدّة ثقافات، فثمانية قرون قضاها العرب في إسبانيا تركت أثرا على حضارتهم وثقافتهم التي نقلوها بدورهم إلى القارة اللاتينية التي تأثرت ثقافتها إذاً بتلك الثقافات الثلاث، ثقافة السكان الأصليين إلى جانب الثقافة الأوروبية والعربية، سيما أن كثيراً من السوريين قد هاجروا إليها خلال الاحتلال التركي لبلادهم، ما نتج عنه ظهور أجيال جديدة تنتمي بعروقها لأصول عربية، لكنها اندمجت في الثقافة الجديدة وتحدثت لغتها ومارست طقوسها.

الخاما (الجماعة) تكمل المسيرة

عام 1986، وفي الذكرى السادسة لانتصار الثورة الساندينية، كان الصحفي الفلسطيني نبيل خليل ضمن المراسلين الذين جاؤوا لتغطية احتفالات الحكومة الساندينية لإذاعة "هافانا كوبا الدولية"، التي كان يعمل فيها مذيعا ومحررا ومترجما. الصدفة فقط جعلته يقرر البقاء في نيكاراغوا حتى العام 1991. في تلك الفترة كان خليل قد التقى جيلاً من العرب في كوستاريكا وبنما وكولومبيا، ولاحظ أن هناك جيلا ثالثا ورابعاً ما زال يمارس العادات والتقاليد العربية بالرغم من ضعف صلته باللغة العربية، والأهم من ذلك ما لمسه منهم من اعتزاز واحترام لجذورهم، ناهيك عن النظرة المحترمة التي يحظون بها من محيطهم من اللاتينيين الذين يعتبرونهم أبناء عائلات محترمة. لاحظ الدكتور قلة التواصل مع هذا الجيل ما حدا به بالتفكير مع مجموعة من حاملي الهم الثقافي والإنساني من العرب والمهاجرين لإنشاء مجلة باللغة الإسبانية تماشياً مع متطلبات هؤلاء المهاجرين وتطلعاتهم.

الدكتور نبيل خليل أمام نصب كارل ماركس
الدكتور نبيل خليل، أحد مؤسّسي مجلة «الخاما»

التقت جريدة العرب خليل الذي قال إنه ليس المؤسس الوحيد لهذه المجلة، بل إن فكرتها تعود لنفر من المهتمين بالشأن الثقافي، فقد شارك في إنشائها السيد ماهر الريماوي، الفلسطيني الذي يقيم الآن في السلفادور ويشارك في الإشراف على إصدار مجلّة "أصول" حاليّاً، وشاب مغربي يدعى حسن أسباب، الذي كان على اطلاع واسع بالثقافة الإسبانية. التقى ثلاثتهم في الحفل الذي أقامته الجبهة الساندينية في ماتاغلبا شمال نيكاراغوا، إضافة لفتاة بيروانية مهتمة بالشأن العربي والمهاجرين السوريين هي كارلا أولاسكواغا التي درست في كوبا واقتربت كثيرا من العرب فيها.

وعن أهم المعوقات التي صادفتهم يقول خليل إن مسألة تمويل المجلة كانت العائق الأساسي أمامهم، إلا أن إيمانهم بالفكرة ويقينهم بأهمية هذا التواصل مع ذوي الأصول العربية وحرصهم على تلك اللحمة الثقافية والإنسانية جعلتهم يتكفلون بنفقات العدد صفر من مساهماتهم الخاصة أملاً في أن تتمكن المجلة فيما بعد من تغطية نفقاتها بنفسها، وقد كان لهم ما أرادوا؛ فقد أصبح أفراد الجالية فيما بعد يساهمون في نفقات المجلة بالدعايات والإعلانات التي كانوا يضعونها فيها، ليس في نيكاراغوا فحسب بل في أمريكا الوسطى وصولاً إلى كولومبيا.

الخاما لاتينيّاً

أما عن تسميتها بـ "الخاما" فيقول خليل إن من طرح فكرة هذا الاسم كان المغربي حسن أسباب الذي كان ذا ثقافة مطلعة على التاريخ الأندلسي، ففكرة الخاما تعود إلى الموريسكيين وهم الإسبان المسلمون الذين أسلموا على يد الفاتحين العرب، لكنهم تركوا استخدام اللغة العربية في شؤونهم الدينية قسراً بأمر من حكومة إسبانيا الكاثوليكية آنذاك، كما أنهم كانوا يكتبون أشعارهم وأعمالهم الأخرى لمدة طويلة بالحروف العربية قبل أن يتم طرد أغلبيتهم إلى شمال أفريقيا. إذاً فالخاما أو الجماعة هم آخر من بقي من المفكرين والفلاسفة والكتاب العرب الذين استمروا في الكتابة بالعربية في قرطبة وطليطلة حتى منعوا تماما من ذلك.

لقد كان ذلك التناص الفكري والثقافي هو المقصود من إنشاء المجلة، فـ"الخاما" اللاتينية لم تكن سوى أولئك الذين هاجروا واضطرتهم ظروفهم للابتعاد عن اللغة العربية، فكانت مجلة الخاما بمثابة السفينة التي سوف تعود بهم لأصولهم.

لسنتين متتابعتين، استمرَّ صدور المجلَّة التي أفرزت 18 عدداً، وُزِّع منها ثلاثة عشر عددا في نيكاراغوا ثم توسع التوزيع ليصل الهندوراس والسلفادور وبنما وكولومبيا قبل أن تتوقف المجلة عن الصدور بسبب مغادرة د. نبيل للبلاد، وتفرّق المجموعة التي كانت تشرف على إصدارها. وعدا عن العدد صفر الذي اقتصر على 500 نسخة، فقد كانت تتجاوز نسخ الأعداد اللاحقة الألف وخمسمائة.

وفي إجابته عن المساهمات الكتابية يقول د. نبيل إن الأعداد الخمسة الأولى تحديدا كان يكتب بها صحفيون وكتاب نيكاراغويون ذوو ثقافة عالية ورؤية واضحة للثقافة العربية، لاحقا، أصبح أفراد الجالية يساهمون بمشاركاتهم وكتاباتهم وآرائهم التي أثرت المجلة أيما إثراء. بل إن مجموعات شبابية تشكلت في مختلف المدن النيكاراغوية وأصبحت تساهم أيضا في مواضيع المجلة.

يتابع خليل بقوله: "لقد زاد الاهتمام بالمجلة، وظهر ذلك جليّاً من ارتفاع عدد الإعلانات فيها. لقد كانت تلك إشارة جيدة ومبشرة على أن هذه الأجيال لم تفقد إبرة البوصلة المتجهة نحو الأماكن التي جاءت منها".

ما زال خليل يحلم بعودة "الخاما" للقارة اللاتينية من جديد، فهي برأيه أداة جد مهمة من أجل قضايا الإنسان العربي بشكل خاص. يقول إن الجالية العربية في تورنتو-كندا تصدر سبع مجلات أسبوعيا، وفي فنزويلا هناك مجلتان تصدران باسم الجالية إلا أنهما لا تستهدفان الجالية فقط بل الناخبين أيضا، إذ تتعاون وزارة الثقافة في تغطية نسبة كبيرة من نفقاتها، لكن التغطية الأهم تأتي من الإعلانات والمؤسسات الرسمية التي لم تكن لتتعاون لولا نفوذ الجالية الواسع. وبناء عليه فلا بدّ من بذل جهودٍ أكبر ليعاد إصدار مجلات أو جرائد مماثلة، بالتعاون مع وزارة الثقافة في بلدان أمريكا الوسطى التي ينتمي كثير من أبنائها لأصول عربية، سيما أن للجاليات العربية نفوذا في بعض حكوماتها لا بد من استغلاله في إيصال قضاياهم. كما أن عليهم الاهتمام بتلك الثقافة لأنها أثرت أيضا فيهم وفي أدبهم، ويكفي التأثر الواضح بالثقافة العربية في شعر روبن داريو الذي يعتبرونه أيقونة من أيقونات الأدب الهسباني.

وحول وعي الجاليات السورية لهذا الجانب، يقول خليل: "نحن نفتقد للتفكير الاستراتيجي في إيصال قضيتنا الأولى وهي القضية الفلسطينية بعكس المؤسسات الصهيونية التي تملك استراتيجية وأفقا واضحا في تنفيذ مشاريعها من سطو على ثقافات الغير بكل الوسائل الثقافية المتاحة، فمثلا هناك مساحة أكبر في نيكاراغوا للعمل والتوزيع وهناك مواد جيدة وأناس لديهم هواجس وطنية وثقافية لا بد أن تترجم على الأرض".

د. نبيل خليل مذيع وصحفي ومحرر ومترجم. حاصل على دكتوراه في العلوم الإنسانية من جامعة هافانا، كوبا، ودكتوراه "زمالة" في نفس التخصص من جامعة يورك، كندا. له عدة إصدارات ودراسات باللغتين العربية والإسبانية. عمل لفترة طويلة مراسلاً صحفيا في عدة دول من أميركا اللاتينية، حتى انتقاله للعمل في "تلفزيون فلسطين".