غدير أبو سنينة-الأوروغواي
ستة معتقلين سابقين من غوانتانامو وصلوا إلى أراضي الأوروغواي في ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد ما يقارب 13 عاما قضوها داخل أسوار ذلك المعتقل ذي السمعة السيئة، وعلى الأغلب في زنازين انفرادية، كان الصراخ فيها بصوت عال طريقتهم للتواصل.
جال هؤلاء الستة في جهات العالم، بإرادتهم أو رغما عنهم. في البداية، ساقتهم الأقدار إلى الحدود الأفغانية الباكستانية، حيث يمكن للإدارة الأميركية اتهامهم بالانتماء للقاعدة، دون أية براهين.
أربعة سوريين وفلسطيني وتونسي، هم جهاد دياب وعلي شعبان وأحمد عجم وعمرعبد الهادي فراج، من سوريا، والتونسي عادل بن محمد، والفلسطيني محمد معطان، يسمون بعضهم البعض بالأخوة، إذ تقاسموا جميعا عتمة المعتقل، رغم صدور أحكام ببراءتهم بعد ست أو سبع سنوات من الاعتقال. علي شعبان -الأصغر سنا- كانت تنقصه ست سنوات لتتساوى سنوات سجنه مع سنوات حريته، إذ دخل المعتقل وعمره 19 عاما، وقضى به 13 عاما.
كيف لهؤلاء أن تكون لهم حياة طبيعية بعد كل ما جربوه وعاشوه؟ بأي عين ينظرون للسماء الآن وقد حرموا طويلا من تأملها؟ وكيف يقتربون من البحر في مونتفيديو عاصمة الأوروغواي، وقد حاصرهم في غوانتانامو؟ كيف ينظرون للبرتقال وقد كان لون ملابس سجنهم؟
في أقبية السجن
يتجنب المحرَّرون الستة الإجابة عن هذه الأسئلة، يقول أحمد إنه يفضل ألا يتذكر تلك الفترة المؤلمة من حياته، ويريد أن يناقش وضعه الحالي. جهاد دياب (43 عاما) يشاطره الرأي في طي صفحة الماضي في ما يتعلق بشخصه، بل إنه يريد أن يسلط الضوء على إخوانه الذين ما زالوا رهن الاعتقال في ظروف صحية وإنسانية مجحفة.
في حديث مطول مع جهاد دياب، قال إن الإدارة الأميركية أفرجت فعلا عن بعض المعتقلين بعد أن أنهكهم التعذيب، وفي وضع صحي حرج خرج هؤلاء على حافة الموت، وقد توفي بعضهم بعد فترة قصيرة من خروجه، دون أن تحسب وفاته على الإدارة الأميركية.
وعن جو السجن، تحدث بشكل عام عن أربعة أصناف من السجانين: القسم الأول –حسب رأيه- يعامل السجناء بحقد شديد، وإساءة بالغة تصل إلى حد التعذيب الجسدي والنفسي، بإهانة المصاحف مثلا على مرأى من أعينهم.
والقسم الثاني هو من الحاقدين على السجناء وعلى خلفياتهم المسلمة، لكنه يتصرف بخبث وذكاء، ظنا منه أنه سيحصل على اعتراف.
والقسم الثالث هو السجانون الذين يقومون بوظيفتهم فقط، ويتصرفون بحيادية، ولا يطبقون سوى الأوامر دون المبالغة في الإساءة.
أما القسم الرابع فهم السجانون الذين كانوا يتعاطفون مع المساجين، ويحاولون مساعدتهم، لكن الإدارة في بعض الأحيان كانت تغير مواقعهم إذا شعرت بذلك التعاطف.
ويضيف دياب أنه في عام 2006 سجن عشرة أفراد ينتمون للقاعدة، لكنهم كانوا في سجن آخر، حيث يتلقون معاملة أقسى، لكن الولايات المتحدة سوقت أمام الرأي العام أن جميع نزلاء السجن هم من القاعدة، مع أن أفراد القاعدة -على حد تعبيره- لا يتجاوز عددهم خمسين فردا في كل العالم.
صفحة بيضاء بلغة جديدة
يبدو أحمد كأي شاب في نهاية الثلاثينيات من العمر، يطمح إلى تأسيس عائلة، مع أنه يرى أن هذا الحلم أصبح صعب المنال. فحين خرجوا من المعتقل شعروا بالأمل في بدء حياة جديدة، تتفهم الدولة التي تستضيفهم متطلباتها، لكن الصدمة كانت حين لم يكن لدى بلد فقير كالأوروغواي سوى قلوب أهله البسطاء في استقبالهم، ومعونات شحيحة من الحكومة وإحدى منظمات اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، ولا يعول عليهما.
يسكن المحررون حاليا في إحدى شقق نقابة العمال، متقاسمين مرافقها، انتظارا لوعد من حكومة الأوروغواي بتأمين مساكن خاصة منفردة لهم، إذ إن جل ما يطلبوه هو حياة كريمة، وتأهيل خاص يتمكنون بواسطته من السير قدما في حياة جديدة، بلغتها وناسها وجغرافيتها.
جهاد دياب الذي يعاني من إعاقة في قدميه، نراه ممتنعا عن الحديث عن معاناته الشخصية، فهو يرى أنه "لا حياة لمن تنادي"، والأولى الآن تخليص بقية المعتقلين وإنهاء كابوس غوانتانامو. مع هذا، فهو يؤكد أن هذا المعتقل ما هو إلا غطاء لسجون سرية أخرى مزروعة في عدد من الدول -بعضها عربية- وأنه جاء كقربان يقدمه الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش للشعب الأميركي، ليضيفه إلى إنجازاته في "مكافحة الإرهاب".
بسؤالي جهاد وأحمد عن اختيار الأوروغواي، أخبراني أنها لم تكن اختيارهم، بل إنه في الأساس لم تتم استشارتهم في المكان الذي سيكون إقامة لهم. مع هذا، فقد تفاءلوا بداية بهذا القرار، ظنا منهم أن ثمة برنامجا قد وضع لتأهيلهم في بلد لا يعرفون لغة أهله ولا طبيعة العيش فيه.
ليس فقط سكنهم في بيت واحد، ولا تقاضيهم راتبا شهريا لا يتجاوز ستمئة دولار، في بلد فقير لكنه مرتفع المعيشة، بل أيضا عدم وجود برنامج لتأهيلهم من قبل حكومتي الأوروغواي وأميركا، مما جعلهم يلجؤون إلى اعتصام في بداية شهر مايو/أيار 2015 أمام السفارة الأميركية في الأوروغواي، يطالبونها بالحد الأدني من التعويض عن حياة قضوها في سجون بلادها دون ذنب، بل بصدور أحكام براءة للجميع. هذه المطالب تلقتها السفارة ليس فقط بالإهمال، بل أعلنت أنها تخشى من تهديداتهم، وهم الذين لا حول لهم ولا قوة.
حكومة الأوروغواي التي قبلت استقبالهم رغم رفض المعارضة اليمينية هذا القرار، عقدت اتفاقا معهم بعد عشرين يوما من الاعتصام يقضي بمنحهم مساكن منفردة، (وهو الإنجاز الوحيد تقريبا الذي حققوه من الاعتصام).
فالتأمين الصحي الموجود في الاتفاق هو في الأساس حق لجميع المواطنين، الذين عليهم الاصطفاف في طابور طويل ليصلهم الدور. والراتب الشهري (ستمئة دولار) بقي على حاله. أما إحضار أهلهم وعائلاتهم فهو متاح عن طريق الصليب الأحمر، لكنه غير ممكن على أرض الواقع، إذ على أفراد العائلة في هذه الحالة العمل لتأمين مصدر دخلهم، وإذا ما استطاع المحررون أنفسهم تعلم ثم إيجاد عمل، فكيف أهلهم؟
بورتريه صحفي
الصحافة اللاتينية كانت متباينة في الحديث عنهم، ففي الأخبار الأولى التي تلت خروجهم من المعتقل مباشرة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وضعت صورهم وتعريفا بهم وبأسباب اعتقالهم حسب الرواية الأميركية، ثم اختلفت اللهجة لتأخذ أشكالا أكثر موضوعية، لكنها حذرة أيضا في عدم تصويرهم بريئين تماما.
أحمد يقول إن جهة واحدة أظهرت تعاطفا أكثر مع قضيتهم، وإن باقي الجهات ما زالت تتعامل معهم بشيء من الريبة، لكن ما يعزيهم هو تعامل شعب الأوروغواي معهم من الحكومة والشعب الذين فتحوا لهم أذرعهم بكل حب.
أما جهاد دياب فلا يعرف السبب الذي يجعل الصحافة اللاتينية تصفه بالمتحدث عن بقية "الإخوة"، إذ إنه لم يتحدث إلا عن نفسه، ويقول إن كثيرا من الأشياء أوردتها الصحافة اللاتينية لم ترد على لسانه، لكنه يفضل عدم الرد إلا في الوقت الذي يراه مناسبا لذلك، إذ يعكف الآن على كتابة الأحداث التي جرت معه ومع إخوانه في السجن في كتاب يكون وثيقة وشهادة للتاريخ على "عنجهية" السيادة الأميركية وكيفية تحكمها في أمر العباد.
كل الصور المسبقة التي من الممكن أن يكونها المرء عن معتقلي غوانتانامو استنادا إلى الرواية الأميركية، تتلاشى بمجرد الحديث معهم، فالضحك -بل والسخرية- من ظروفهم السيئة يجد حيزا واسعا في حديثهم، ثم مطالبهم التي لا تتجاوز مطالب الإنسان الطبيعي، مما يجعلنا نقف مذهولين أمام المدى الذي من الممكن أن "تشيطن" فيه الولايات المتحدة الآخرين لمجرد أنها تريد ذلك.
