غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من البرازيل

تشيكو ميندس... حارس الغابة

نشر في الجزيرة نت
تشيكو ميندس... حارس الغابة

مرت القارة اللاتينية، وما زالت، بكثير من الظروف الصعبة، التي لم تنته منذ رست سفن كريستوفر كولومبوس على شواطئها وحتى يومنا هذا، لم يتوقف السلب والنهب فيها والأفظع من ذلك كله التخلص من حضارتها القديمة لصالح أخرى تعتمد على بناء رأس مال على حساب الإنسان والبيئة.

تشيكو ميندس، العامل في جمع المطاط في غابات الأمازون البرازيلية، ليس أول ولا آخر من قتله الجشع والظلم الذي يتعرض له جامعو المطاط في تلك المنطقة.

جنود المطاط

ورث ميندس تلك المهنة عن والده فرانسيسكو ميندس، الذي انتقل في عشرينيات القرن الماضي لولاية آكري في غابات الأمازون على الحدود مع بوليفيا والبيرو، للعمل في جمع المطاط، إذ دفعت الأوضاع الاقتصادية المتأزمة كثيرا من الأشخاص للذهاب غرب البلاد والعمل في الغابات الغنية بالمواد الأولية كاستخراج المطاط.

في تلك الغابات كان يعيش أكثر من 60 قبيلة من السكان الأصليين في وادي جورووا في آكري. وقد عانوا في بداية الأمر من اجتياح جامعي المطاط لأراضيهم، إذ كان الكثير منهم يتشابك مع السكان الأصليين معتمدين على قوى اقتصادية برازيلية وأجنبية. ومع مرور الوقت، تكيف العاملون الجدد مع حياة الغابة وتعلموا من عادات السكان الأصليين القديمة كيفية التعامل معها.

وحينما ولد ميندس عام 1944، كانت المنطقة تمر بأزمة خطيرة بسبب المنافسة مع جنوب شرق آسيا في إنتاج المطاط، وقد زاد انخفاض الطلب من تفاقمها بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، إذ ترك الأميركيون الموانئ والمطارات، واضطر جامعو المطاط لبيعه لتجار الشوارع غير ملتزمين بما فرضه عليهم مُلَّاك مزارع المطاط ببيعه لهم حصرا.

مات أكثر من نصف "جنود المطاط" بسبب الأحوال البائسة والنقص في الخدمات الطبية، وكانت الأمية والإهمال والعزلة والحرمان هي البيئة التي عاش بها ميندس، لكنّه كان محظوظا حين تعرف إلى اللاجئ السياسي إقليدس فرناندز تافورا، الذي كان يعيش في قريته، وعلمه القراءة والكتابة في عمر الـ24، والأهم من ذلك غرس فيه الوعي والرغبة في تغيير الوضع الذي يعاني منه جامعو المطاط.

تنمية مدمرة

كان برنامج "تنمية مناطق الأمازون" في البرازيل عام 1965 بمثابة الكابوس الذي جثا على صدر سكان تلك المناطق، إذ لم يكن سوى استعمار مشروع من قبل كبار ملاك الأراضي الذين سيطروا على ستة ملايين هكتار من أراضي آكري بشهادات تمليك غير قانونية، رغم أن هذه الأراضي هي للسكان الأصليين الذين سكنوها منذ عقود وورثوها عن أجدادهم.

وبدعم من الحكومة، أشاعوا الرعب لتخويف المالكين الأصليين من القبائل الهندية وأكثر من ألف عائلة من جامعي المطاط ، كانوا يعيشون هناك، إذ أحرقت بيوتهم، وقتلت مواشيهم، واغتصبت نساؤهم ودمرت غاباتهم التي تمثل وطنهم الحقيقي ومصدر رزقهم.

ثم أنشأت الحكومة الطريق السريع عبر الأمازون وغيره من المشاريع التي أضرت بسكان الغابات وقلصت من أعدادهم بسبب التصحر الشديد وحرق الغابات الذي نتج عنه تلوث البيئة ومقتل كثير من ساكني الأمازون من جامعي المطاط والسكان الأصليين، إذ هاجمتهم الأمراض بسبب انتشار الحشرات الضارة والملاريا، وعلى سبيل المثال نقص عدد أفراد قبيلة نامبيكوارا من عشرين ألفا إلى 650 شخصا فقط، وبلغت نسبة وفيات الرضع 80%.

اختار الكثير ممن بقي مكرها أن يترك الغابة ويعيش عاطلا عن العمل في أحد الأحياء المكتظة والفقيرة التي تضيق بها البرازيل.

وقائع قتل معلن

وقف ميندس بالمرصاد لكل ما من شأنه أن يهدم الغابة التي كان يعدها الرئة التي يتنفس من خلالها، وأنشأ مع مجموعة من العاملين أول حركة نقابية عمالية لجامعي المطاط، ولم يكن الهدف فقط الحفاظ على عملهم بل حماية الغابة نفسها، واستطاعوا بالفعل لفت أنظار العالم لما يعانيه جامعو المطاط والغابات من تدمير وحرق ونهب.

كان ذلك كردة فعل لما حدث في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، إذ ارتفعت أسعار الذهب، ليبدأ سعار البحث عنه في غابات الأمازون، وفي العام 1983، كان هناك مائة ألف شخص يعملون في البحث عن الذهب ويعانون من أوضاع إنسانية بائسة، إضافة لتدمير الغابات وتسهيل مرور المخدرات والدعارة لمناطق الأمازون.

تعاون ميندس مع بعض الناشطين في حماية البيئة واستطاع السفر للولايات المتحدة وشرح قضيته لمدراء البنك الدولي وأعضاء من مجلس الشيوخ الأميركي محققا تعاطفا دوليا منحه "الجائزة العالمية للأمم 500"، وجائزة "عالم أفضل".

وبعد تدخله في الجمعية التشريعية في آكري بدأت مواجهة تاريخية في مزارع المطاط ضد محاولات السطو على الأراضي واستعمارها، ونجح ميندس في عمل أول محمية في البرازيل. هذا النجاح جعل أصحاب الأراضي يتوعدونه حتى تمكنوا من قتله يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 1988.

قبل أيام قليلة من مقتله قال "لا أريد زهورا على قبري، لأنني أعلم أنكم ستنزعونها من الغابة. فقط أريد أن يساهم موتي في وضع حد للفارين من العقاب، المحميين من قبل شرطة آكري، وقد قتلوا أكثر من خمسين شخصا مثلي، زعماء جمع المطاط على استعداد لحماية غابة الأمازون والتأكيد على أن التنمية ممكنة دون تدمير".

×