ليس هذا فحسب عنوان الفيلم الروائي المصري الذي لعب دور بطولته الممثل عادل إمام والراحلة سعاد حسني، حين تعرفا إلى بعضهما داخل أسوار السجن. فـ"مشروع فراشة" لا يحتاج لممثلين ولا لخيال أو سيناريو، فهو قصة حقيقة لسجين وسجينة عاشا قصة حب ساحرة وهما في معتقليْن بعيديْن ودون أن يلتقيا أبدا داخل أسوار السجن. القصة التي يسمعها المخرج الأرجنتيني سيرخيو كوتشو قسطنطين في أحد جلسات الأصدقاء ستتبلور فكرتها بخمس دقائق ليكون الفيلم التسجيلي "مشروع فراشة" جاهزا للعرض خلال الشهر الحالي يونيو/حزيران 2014.
تجتمع عناصر كثيرة من موسيقى وشعر ومشاهد طبيعية خلابة في الفيلم، مبقية على الاطار الرومانسي للفيلم الذي جرت أحداثه في ظروف سياسية مرعبة.
يبدأ الفيلم وينتهي بخلفية موسيقية وصوت ممثلة تقرأ رسالة عاطفية سنفهم لاحقا أنها كانت ضمن الرسائل المتبادلة بين كتالينا أو لينا غارّاسا ودافيد ماسال أثناء اعتقالهما في الفترة التي خضعت فيها الأرجنتين لحكم العسكر (1976-1983).
في الفيلم سنستمع لشهادات عائلتيْ دافيد ولينا وللأصدقاء المشتركين لتكون تلك الشهادات بمثابة لعبة بازل تتكون بشكل كامل عند نهاية الفيلم.
يعيدنا الفيلم بشهادات أبطاله لعام 1976، حينما أطاح العسكر برئيسة البلاد إيسابيل بيرون وسادت الأحكام العسكرية، فتم اعتقال كثير من الشباب المنتمين للاتحاد الطلابي البيروني ومنهم لينا ودافيد اللذان لم يُتمَّا في ذلك الوقت العشرين عاما.
نستمع لشهادات والد ووالدة وأخت لينا الذين اعتقلوا معها حين اقتحم العسكر بيتهم، تفاصيل كثيرة ترويها العائلة عن كيفية المداهمات والاعتقالات، تماما كما تروي أم دافيد اختفاء ابنها الذين كان في الثانوية حين اختفى.
عام 1979 وبضغط من بعض مؤسسات حقوق الإنسان، سيسمح للأهل فقط بتبادل الرسائل في المعتقلات، وسيتيح ذلك فرصة للينا وأختها التواصل مع والدهما.
الوالد في معتقله كان كثير الحديث عن ابنته المناضلة والمحبوبة لينا، وكانت أذنا دافيد تصغيان باهتمام لكلامه عنها. وبوساطة الوالد أصبح دافيد يراسل لينا لكن من خلال الوالد إذ لم تكن الرسائل مسموحة سوى بين الأهل، ولكي يعرف كل منهما أن الرسالة موجهة له فقد كانت كلمة السر المروَّسة على الرسالة هي "الفراشة".
حرص المخرج على اختيار عدد من الرسائل المعبرة والتي ساعدت في التقريب بين روحين لم تلتقي أجسادهما أبدا. بدأت الرسائل بدعم كل منهما للآخر والتقوية من عزيمته لكنها سرعان ما أصبحت أكثر حميمية حتى بات تأخر وصولها مصدر قلق لكل منهما.
كان دور العائلة مهما في انجاح هذا المشروع العاطفي الذي تربى في أحضان المعتقل. فقد أصبح أفراد العائلة المتواجدون خارج أسواره يتبادلون صور دافيد ولينا ويوصلونها لكل منهما في تواطؤ ظريف يعكس أملهم في الحياة في وقت كانت تمر بها الأرجنتين في عصور ديكتاتورية مظلمة.
تتقاطع خيوط القصة أيضا حين يبدأ أحد أصدقاء لينا ودافيد بسرد قصة حب لينا الأولى من خطيبها بيذرو ليذيسما الذي كان من ضمن المفقودين. لقد كانت لينا تلتقي خطيبها السابق في بيت خوليو غونسالس دون أن تعرف هي اسم صاحب البيت فيما كان هو الصديق الحميم لبيذرو وكان يعلم تماما من هي لينا غاراسا.
كان بيذرو من ضمن الثلاثين ألف مفقود على يد المؤسسة العسكرية التي جعلت مصيرهم مجهولا بينما سجن صديقه الفنان خوليو بتهمة حيازة سلاح مع أن سبب الاعتقال الحقيقي كان حيازته كتابا للشاعر الإسباني غارسيا لوركا. يلتقي دافيد بخوليو في السجن ويعرف عن قصة الحب التي ولدت في رحم المعتقل ويتساءل في آخر الفيلم عن دوره في القصة، وعما لو كان شاهدا عليها، أو إن كان دافيد بديلا لبيذرو مع أنه ليس بيذرو. تجيب لينا في مشهد آخر أن دافيد هو حب حياتها مع أنها لم تنس بيذرو الذي يلتقي الفيلم أيضا مع أخيه ليروي قصة اختطافه ثم فقده للأبد.
يعمد المخرج إلى تصوير شهادات أبطال الفيلم كل على حدة، حتى دافيد ولينا الزوجين، لا نراهما مجتمعين إلا في آخر الفيلم الذي ينتهي برقصة تعبيرية من ابنتهما على أنغام موسيقى يشارك الابن بالعزف على إحدى آلاتها. وعدا عن أم لينا التي كانت بجانب والدها ولم نستمع لكلامها، فقد كان التصوير فرديا لأن المخرج أراد أن يتحدث كل شخص بأريحية تامة دون وجود آخرين.
ومن المشاهد اللافتة في الفيلم تصويره للمعتقلات بالأبيض والأسود وكأنه يريد أن يقول أن تلك الفترة قد اختفت وأنها أصبحت من الماضي فيما يصور بالطرق الحديثة شبابا يدهنون جدران المعتقل بألوان فاقعة ويرسمون عليها فراشات بألوان حية إشارة للتغيير الذي حل بالأرجنتين.
ربما تصلح قصة دافيد ولينا لفيلم روائي فهي في عمقها قصة عاطفية مؤطرة بالأحداث السياسية التي تروي حكاية جيل كامل وتعكس تمرده ورفضه الإذعان للديكتاتورية بل أيضا ثقافته التي تتبين لنا واضحة جلية في طريقة الكتابة التي لم تخل من الشعر، فقد كان دافيد كما تحكي لينا التي أصبحت زوجة له بعد خروجهما من السجن عام 1983، أن رسائله لم تكن تخلو من قصائد الكاتب الأوروغواياني ماريو بينيديتي.
ومن الرسائل التي أرسلتها لينا لدافيد، سنستمع لصوت ممثلة تقرأ بصوت عذب: "آه أيتها الفراشات/ أحب كلماتك/ إنها هواء ونسمات/ أتمنى أن نستمر/ أعرف أننا سنلتقي يوما ما وسنطير بحرية/ قلبي يحدثني بذلك/ أعرف أن هذه الكلمات ستتضاعف بالآلاف/ وأننا سنقاتل معا من أجل العدالة/ من أجلنا/ ومن أجل رفقائنا المفقودين".
