وصف ألونسو مونكاذا أبييَو، مؤلّف كتاب «وجه العنف»، الكولونيل أنطون داود بالقول: «أنطونيو داود هو النموذج للمحرِّض المرتزق؛ فخلال عام 1961 كان في كولومبيا يدرّب قطاع الطرق "تيروفيخو" و"ريتشارد". عام 1928 انخرط في صفوف المحاربين مع الجنرال أوغستو ساندينو في نيكاراغوا، وعام 1931 انتمى لقوات الرئيس أرتورو أراوخو في السلفادور. ومنذ عام 1936 حتى 1939 عمل في الشرق الأدنى مع الفيلق العربي. وحارب مع القوة المصرية ضد إسرائيل عام 1952. وعام 1955 نظّم مجموعات من الثوار مع جبهة التحرير الوطني في الجزائر. وما بين عامي 1957 و1959 انضم للثوار إلى جانب فيدل كاسترو وحصل على درجة قائد».
وأنطونيو المذكور في ذلك الكتاب الذي يحمل في طياته تحذيرًا من خطر الشيوعية (صدرت الطبعة الأولى منه عام 1963)، هو أنطون داود، المناضل الفلسطيني المولود في بوغوتا عام 1909 والذي اشترك في أكثر من ثورة في أميركا اللاتينية وفي الثورة الفلسطينية، وقد صدر له كتاب عام 1954 بعنوان «فلسطين اليوم وغدًا».

مصادر قليلة تتحدث عن هذه الشخصية «الشبح» في الكتب، وقد تمكّنت أخيرًا من التواصل مع المهاجر الفلسطيني خالد سلامة (81 عامًا)، المقيم في بنما حاليًا، والذي تنقّل خلال أكثر من خمسين عامًا من إقامته في أميركا اللاتينية في أكثر من بلد فيها لأغراض تجارية وسياسية. أخبرني أنه التقى أنطونيو داود عام 1961 حينما كان في كوبا، وكان أنطونيو حينها قادمًا من فنزويلا ومتجهًا صوب سييرا ماييسترا للقاء فيدل كاسترو. وبحسب سلامة، فقد كان أنطونيو مع البطل القومي النيكاراغوي أوغستو ساندينو حينما عاد من منفاه المكسيكي لنيكاراغوا، كما كان في انتظاره حينما دُعي للتفاوض وقُتل غدرًا مع اثنين من رفقائه من قبل الحكومة الموالية للولايات المتحدة. يقول سلامة إن أنطونيو حينها امتطى حصانًا وهرب إلى الهندوراس، حيث استمرت رحلة هروبه 18 يومًا. أقام في الهندوراس مدّة حتى تغيّرت الحكومة من يسارية ليمينية، حينها رحل للسلفادور ثم غواتيمالا، وكان أنطونيو قد تدرَّب في مدرسة عسكرية في بيليس التي كانت تحت الاستعمار البريطاني في حينها.
ولم يكن أنطون مخرِّبًا في نظر كاتب «وجه العنف» فقط، بل هناك من العرب أنفسهم من انقسم بشأن الحركات الثورية في أميركا اللاتينية، وخصوصًا أبناء المهاجرين الذين تعلّموا في جامعات البلدان التي هاجر إليها آباؤهم وانضمّوا لأحزاب وحركات كلٌّ حسب توجهه أو حسب مصالحه.
سياسيون أكثر منهم ثوريين
يروي الباحث المغربي عبد الواحد أكمير، مؤلف «العرب في أميركا اللاتينية»، أن المشاركة العربية في الحياة السياسية في أميركا اللاتينية بدأت على مستوى محلي وإقليمي بمشاركة الجيل الأول من المهاجرين في البلديات. لكن الأهم هو مشاركة أبنائهم، وبرأيه أن العرب عُرفوا كسياسيين أكثر من كونهم ثوريين، إذ كانوا أبناء تجار لا أبناء عمال. ورغم انتماءاتهم لجميع الأحزاب في أميركا اللاتينية من يمين ويسار، إلا أن الرؤساء الستة ذوي الأصول العربية في القارة اللاتينية كانوا ينتمون جميعًا لأحزاب يمينية.
كولومبيا
بدأت المشاركة الحقيقية لذوي الأصول العربية في بدايات الأربعينيات، حيث ترشّح عضو مجلس الشيوخ في كولومبيا، رافائيل تورباي، ليكون رئيس كولومبيا، لكنه لم يفز بالرئاسة، وقد عزت الجالية العربية حينها هزيمته لكونه «توركو»، وهو الوصف الذي كان يطلقه اللاتينيون على العرب المهاجرين، ولم يكن يحمل دومًا معنى إيجابيًا. وتطلّب الوقت أكثر من ثلاثين عامًا ليفوز مرشح من أصول عربية برئاسة كولومبيا، هو خوليو سيسار تورباي عام 1978.
في حين عُرف ألبارو فياض، الملقّب بالـ«توركو»، بانتمائه للحركة المسلحة إم 19، وكان من فاوض الحكومة الكولومبية في المفاوضات بين الطرفين (الحكومة الكولومبية والمتمردين) التي عُقدت في مدريد.
الأرجنتين
وفي الأرجنتين كان للعرب حضور بارز، لا سيما في الوقت الذي حكم فيه الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون، حيث كان جزء كبير من أعضاء البرلمان والحكومة من أصول عربية، وكان العرب مقرّبين منه، حتى أنه عُرف بمقولته «العرب شغوفون بأمور ثلاثة.. السياسة واللعب والنساء».
وفي بداية التسعينيات من القرن الماضي، قاد العسكري الأرجنتيني من أصل عربي محمد علي زين الدين انقلابًا فاشلًا ضد الرئيس كارلوس منعم (سوري الأصل)، إذ لم تكن أصولهم لتمنع الخصومات السياسية التي تعتمد على أحزابهم وتوجهاتهم.
وكان للعرب في الأرجنتين أيضًا تأثير في الأحزاب اليسارية، ومن الوجوه البارزة يُذكر فرناندو نظرة، الذي قاد الاتحاد الطلابي الأرجنتيني عام 1941 ضد الحكم الديكتاتوري ثم انتمى لاحقًا للحزب الشيوعي.

الإكوادور وفنزويلا وكوبا
وفي الإكوادور، وبعد ثورة عام 1949، أصبح بيذرو سعد، وهو من أصول عربية، سكرتيرًا للحزب الشيوعي حتى موته عام 1982، كما كان مؤسّس نقابة العمال الإكوادوريين.
وفي فنزويلا أسّس خورخي زاهر الحزب الثوري اليساري عام 1958، والذي كان القوة الثالثة في البلاد، وتولّى بابلو زاهر رئاسة البرلمان.
أما في كوبا فيُعتبر ألفريدو معلوف من أبرز المنتمين للثورة الكوبية، وقد سُمِّي فيما بعد «محامي الثورة»، وحين انتصرت الثورة تسلّم وزارة العدل، وهو منصب حساس وصعب في تلك الفترة التاريخية، إذ كان عليه وضع قوانين جديدة لنظام الحكم الجديد، ومحاكمة أفراد النظام السابق.
نيكاراغوا
وفي نيكاراغوا هناك أكثر من مساهمة من أصول عربية في الثورة الساندينية التي انتصرت عام 1979، ومن الوجوه البارزة سليم شبلي، الذي قتله جيش أناستاسيو سوموسا، وسُمِّي حيٌّ كامل باسمه تكريمًا لتضحيته. ومن أهم مؤسسي الحزب السانديني موسى حسان، الذي استلم رئاسة بلدية مناغوا بعد انتصار الثورة، ويُعتبر حاليًا أحد أشد معارضي نظام الحكم الحالي الذي يرأسه دانييل أورتيغا.
والأخوان يعقوب فريج وسعاد فريج، إذ قضى يعقوب سنوات في سجن الديكتاتور أناستاسيو سوموسا، واضطرت سعاد للعيش زمنًا في المنفى. وبعد انتصار الثورة الساندينية عملت منسّقة بينها وبين الثورة الفلسطينية في لبنان ما بين عامي 1980 و1982، وقد أخبرتني سعاد أن هناك الكثير من عائلة فريج من كان يدعم الديكتاتور سوموسا، وكان على علاقات جيدة مع النظام القديم بسبب ما يربطه معه من مصالح، بل إن معظم العرب — على حدّ قولها — كانوا مع نظام سوموسا الرأسمالي، ولهذا فبعد انتصار الثورة الساندينية غادر كثير منهم نيكاراغوا.
تشيلي
وهذا ما حدث أيضًا في تشيلي، فكثير من العرب والفلسطينيين خاصة وقفوا مع انقلاب أوغستو بينوتشيه ضد سلفادور أييندي، وربما تختلف وجهات نظر المهاجرين في هذا الأمر، فـ«كريستاكي سعد»، وهو من الفلسطينيين المقيمين في تشيلي والمسؤول عن صفحة «فلسطين حرة»، يقول إن أبناء المهاجرين قد اندمجوا في المجتمع وهم كغيرهم من المواطنين انقسموا ما بين حزب يميني وحزب يساري، لكنهم متوحّدون حينما يتعلق الأمر بفلسطين. ويؤكد التشيلي الفلسطيني دييغو خميس أن الفلسطينيين في تشيلي أيضًا كانوا وما زالوا برلمانيين وأعضاء في مجلس الشيوخ منذ أربعينيات القرن الماضي، بالإضافة لكثير من الوزراء، منهم وزير الداخلية الذي يُعتبر في تشيلي نائب الرئيس، وهو إدموند بيريس جمعة. ويتابع خميس بأن «معظم الجالية الفلسطينية في تشيلي دعمت التدخل العسكري لأنهم كانوا من الذين صودرت مصانعهم»، في حين يخالفه الرأي كريستاكي سعد الذي يرى أن قليلين من الجالية الفلسطينية أيّدوا انقلاب بينوتشيه.
ومن الأمثلة على تشيليين فلسطينيين قُتلوا إبان الحكم العسكري في تشيلي، كارلوس كونتريراس مالوخي وهيكر نجمة. ومن المنفيين، رافائيل روبيرتو طارود سيوادي وميغيل لاتين. ومن المعتقلين، باتريسيو حالس. ومن المفقودين، كارمن حالس.
بوليفيا
كريم دويري من بوليفيا يذكر أن من بين الرؤساء البوليفيين من أصول عربية، خوان بيرادا حزبون، الذي كان رئيسًا عسكريًا لم تسنح له الفرصة لإحداث الكثير من التغيير. من ناحية أخرى، فقد قدّم خوان لاشين الكثير فيما يتعلق بحقوق العمال، إذ كان قائدًا لنقابة العمال البوليفيين وكان نائبًا للرئيس، واليوم يُعتبر ابنه أحد المفكرين الناقدين للحكم شبه الديكتاتوري لإيفو موراليس. ومن اليسار البوليفي، بحسب دويري، أوسكار عيد. كما يروي التاريخ قيادة أنطونيو سلامة، وهو جنرال عسكري، ثورة الـ1952 في بوليفيا.
السلفادور
وفي السلفادور تعتبر سعاد مرقص فريج أن مؤسس الحزب اليساري، شفيق حنظل، وهو من أصل فلسطيني، هو الأهم من بين السياسيين ذوي الأصول الفلسطينية. وكان حنظل قد ترشّح لرئاسة السلفادور، لكنه خسر الانتخابات مقابل مرشح آخر من أصل فلسطيني، ينتمي للحزب اليميني، هو أنطونيو السقا.

يتجنّب أبناء الجاليات العربية عادةً إثارة النقاش في الاختلافات السياسية والحزبية بينهم، إذ عادة ما يجتمعون أو يلتقون في مناسبات خاصة، ويفضّلون أن تدور الأحاديث حول قضايا أوطانهم الأم.