قدم لي النادل في مطعم "تييرادينترو" (TierrAdentro) قائمة الطعام، ولم تكن مفاجأة حين قرأت على ظهرها عنوان المطعم الذي كُتب في النهاية كالتالي "المكسيك، أميركا الوسطى".
فالمطعم الداعم لحركة الـ "ساباتيستا" يقع في ولاية تشياباس، جنوب المكسيك، حيث يشعر السكان بانتماء أكبر لدول أميركا الوسطى مثل غواتيمالا والسلفادور، منهم إلى الشمال، وتحديدا للولايات المتحدة.
كان الكاتب والصحفي المكسيكي "خوان بيورو" قد أخبرني أن الكثير من سكان الوسط والشمال المكسيكيين قد زاروا الولايات المتحدة، بينما لا يفكرون بزيارة جنوب البلاد، تلك المنطقة التي تنتشر فيها جماعات من السكان الأصليين، ويتحدثون بأكثر من لغة محلية.
يقول بيورو "لا يُعجب بعض المكسيكيين أن يُقال عن بلدهم إنها من أميركا الوسطى، وحين تحدد الصحافة الإسبانية موقع المكسيك على أنها من دول أميركا الوسطى، ينتفض المكسيكيون معتبرين أن هذا التصنيف يضعهم في مصاف الدول الفقيرة. جغرافيا، المكسيك فيها جزء في أميركا الشمالية وجزء آخر في أميركا الوسطى. نحن بين القارتين، لكن الناس تفضل الارتباط بأميركا الشمالية".
يحكي بيورو عن تجربة شخصية مرَّ بها في كوستاريكا حين وُجِّه إليه سؤال "لماذا تدير المكسيك ظهرها ثقافيا لبلدان أميركا الوسطى؟".
وجد بيورو هذا التساؤل منطقيا لا سيما أنه حين يتحدث أحد مثلا عن الحدود المكسيكية، فإن ما يخطر على البال هو حدود المكسيك مع الولايات المتحدة، رغم أنها تتقاسم حدودا أخرى مع أميركا الوسطى.
أبعد من ذلك، فقد صرَّح وزير التعليم المكسيكي "آوريريو نونيو" بأنه يريد للمكسيك أن تصير مثل كوريا الجنوبية، لا مثل فنزويلا. يتفهم بيورو أن نونيو كان ينتقد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، لكنه يعتبر تصريحا كهذا "سخيفا" بسبب البعد الثقافي بين كوريا الجنوبية والمكسيك التي هي أقرب "ثقافيا" لفنزويلا ولدول أميركا الوسطى والجنوبية.
وفي بلدة "سان كريستوبال" التابعة لتشياباس، سألتُ روسا أو "لوشا" -بلغة التسوتسيل المحلية- عن انتمائها، كانت إجابتها "أنا من سان خوان تشامولا". أخرى قالت إنها من "سيناكانتان". كررت السؤال لعدد من الأشخاص وكانت الإجابات تتنوع بين تلك البلدتين، دون الإحالة للمكسيك، البلد الأم أو الوطن.
الكاتب "بالام رودريغس" فسر الأمر بأن تلك المجموعات من السكان الأصليين تشعر بانتماء لمجموعاتها العرقية أكثر من الوطن الأم.
مع هذا، يؤكد بيورو أن الرئيس خوان بينيتو (أول رئيس من السكان الأصليين، حكم المكسيك ما بين عامي 1858-1872) لم يهدف لمحاربة الفقر في مناطق السكان الأصليين فحسب، بل في كل المكسيك، وهو الطرح ذاته الذي تسلكه "ماريا خيسوس باتريسيو" مرشحة المؤتمر القومي للسكان الأصليين وحركة "الساباتيستا" لرئاسة المكسيك عام 2018.
من هو المكسيكي؟
أكثر من أي بلد آخر في القارة اللاتينية، طُرح سؤال من هو المكسيكي؟ 124 مليون نسمة هو عدد سكان المكسيك، منهم 25 مليونا في العاصمة. إثنيات وعرقيات اختلطت ببعضها حتى نتجت أمة جديدة قوامها "المستيسو" وهو ثمرة علاقة الأوروبيين بالسكان الأصليين. والكريويّو وهم الذين ولدوا في أميركا اللاتينية من آباء أوروبيين. والمولاتو هم الأبناء من تزاوج الأوروبيين بالأفارقة الذين جلبتهم إسبانيا للعمل في القارة اللاتينية. والسامبو وهم الأبناء من زواج الأفارقة بالسكان الأصليين.. إلخ.
هذا الخليط وإن لم يكن محصورا وجودُه في المكسيك فقط، فقد ساهم في طرح سؤال الهوية بالنسبة للمكسيكيين، وخصوصا بعد الثورة المكسيكية عام 1910 التي أحيت الحس القومي لدى أبناء المكسيك.
يتساءل الكاتب المكسيكي أوكتافيو باث (نوبل في الآداب 1990) عن الهوية المكسيكية في كتابه "متاهة العزلة" المنشور عام 1950. ولم يكن الوحيد الذي ناقش هذه المسألة بل كتاب آخرون كالفيلسوف "صامويل راموس". وفق بيورو، وذلك بهدف التعرف إلى المكسيكي بضعفه وعقده وخوفه وليس كتخيله شخصا غريبا عن بقية الناس.
ويتابع بيورو بأن ما طرحه هؤلاء الكتاب ينطلق من إمكانية ربط الاختلافات الصغيرة منها والكبيرة بأريحية ودون تعقيدات مع الثقافات الأخرى، بمعنى أنها دعوة لجعل الهوية المكسيكية عالمية، ولكن على أساس التمسك بالتقاليد "هي محاولة دمج العالمي مع المحلي، ففي السطر الأخير من كتاب "متاهة العزلة" يتحدث باث عن الجرأة التي علينا امتلاكها للوقوف أمام المرآة كما نحن، وعن ترك الأقنعة التي وضعناها لفترة طويلة".
ألف باث كتابا آخر تابعا لكتابه الأول، وكان يؤكد -والحديث لبيورو- أن المكسيكي ليس فقط جوهرا بل تاريخا، وأنه منفتح على التأثيرين الاجتماعي والاقتصادي. روجر بارترا كتب أيضا عن الهوية المكسيكية في "قفص الحزن" الذي يكمل فيه أسئلة باث، ولكن الإجابة تقول إن هناك طرقا كثيرة لتكون مكسيكيا في هذا البلد متعدد الثقافات.
ويعتقد بيورو أن كل الهويات هي بناء، فكل بلد يستطيع على مر الزمان أن يوضح ماهيته وما يسعى لتحقيقه. وفي السنوات الأخيرة، برز هذا في الأدب المكسيكي وظهرت شخصيات منوعة تعبر عن هويات المكسيكيين المختلفة.
العنف ليس أساس الهوية
سألت بيورو إن كان الاختلاط قد ساهم في تأجيج العنف في المكسيك، وإن أصبح مرادفا للهوية المكسيكية. العنف الذي لا يمكن إنكاره مع تنامي تجارة المخدرات والقتل واغتيال الصحفيين، فالاختلاط لم يكن نتيجة تزاوج عادي في كثير من الأحيان، بل كان ثمرة اغتصاب واحتلال.
بيد أنه لم يشاطرني الرأي، صحيح أنه لم ينكر العنف الموجود ببلاده، لكنه لا يعتقد أنه جزء من هوية المكسيكي. العنف برأي بيورو ترعرع في مناخ سمح له بالنمو، فكل البلاد -وفق تعبيره- ثمرة العنف والأفعال التعسفية المبنية على أساس القوة "معظم البلدان نتجت عن حروب واستعمار وتحرير، وليس ضروريا أن الهوية الثقافية مرتبطة بذلك".
السلوكيات العنيفة أثرت على هوية المكسيكي بسبب مناسبة الظروف. هنا، يضرب بيورو أمثلة يبدؤها بالعلم المكسيكي الذي يقول إنه يحمل الشعار الوحيد في العالم الذي يرمز للعنف، نسر يفترس ثعبانا، فالنشيد القومي المحرض على العنف أيضا، ثم اللعبة الشعبية "باراخاس" (Barajas) والتي تستند إلى الحظ، وبها كروت لعب تحمل عدة أشكال منها كرت "الشجاع" الذي يمثل رسما لمكسيكي يرتدي قبعة ويحمل سكينا تسيل منها الدماء. إضافة للعبة صراع الديوك التي ما زالت تمارس في بعض الأحياء الشعبية هناك.
ولعل أبرز ما يمثل العنف المكسيكي تجارة المخدرات. يصر بيورو على أن المكسيكي غير عنيف بطبعه، لكن ظروفا سياسية وجغرافية ساعدت في تطور العنف لديه، فجغرافيّا تتقاسم المكسيك مع الولايات المتحدة مساحات شاسعة من الحدود، والولايات المتحدة تعتبر من أكثر الأسواق المستهلكة للمخدرات ومن أكثر الأسواق التي تنتعش بها تجارة الأسلحة.
أنهى بيورو حديثه بالقول إن هناك أكثر من مكسيك في المكسيك، واحدة منها تريد أن ترتدي المظهر الغربي وتتمثل في السياسيين وأصحاب النفوذ، ومكسيك أخرى يريد سكانها حفظ انتمائهم لأسلافهم وتقاليدهم وثقافتهم.









