غدير أبو سنينة → العودة إلى الأفلام التسجيلية
فيلم تسجيلي · الهند

السجادة الحمراء... حلم روبينا

منشور عام 2014
الطفلة روبينا علي تحمل لوحة الكلاكيت على سكة الحديد في حي باندرا أثناء تصوير الفيلم
من كواليس فيلم «La alfombra roja» — إخراج مانويل فرنانديز وإيوسو لوبيث (2013)

أين يمكن لسجادة حمراء أن تظهر في حي فقير مهمش من أحياء باندرا في الهند؟ وهل بإمكان الناس أصلا شراء سجاد بأي لون ليمشوا عليه بدل المشي فوق أكوام القمامة المتناثرة في كل زوايا الحي؟ نعم، ثمة مكان لسجادة حمراء ستكون مفروشة في مخيلة بطلة فيلم "السجادة الحمراء" للمخرجين مانويل فرنانديز وإيوسو لوبيث. إنها الطفلة روبينا ذات الاثني عشر عاما والتي تحلم بأن تصير ممثلة تمشي يوما ما على السجادة الحمراء في حفل الأوسكار.

وبعيدا عن المشاهد الباذخة التي اعتدنا مشاهدتها في أفلام بوليوود الروائية، يفتتح فيلم "السجادة الحمراء" مشهده الأول على بيوت الصفيح المتراكمة بجانب بعضها البعض عشوائيا، وستظل كاميرته تجول في ذلك الحي الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة كما هي حال كثير من الأحياء البائسة في الهند.

لقد استطاع المخرجان أن ينقلا لنا حالة الحي المزرية على لسان الطفلة روبينا، وبنقل مشاهد لأطفال آخرين هم عصب الحياة في بيوت الحي الصغيرة التي يتسع الواحد منها –عنوة- لحوالي عشرة أفراد. سنرى كيف يحول الأطفال السكك الحديدية الملأى بالقمامة لأماكن للعب، وكيف يتحول بئر الماء لبركة صغيرة تصلح للقفز والسباحة رغم قذارتها، لكنهم يغادرونها حين تنمو فيها الأعشاب وتكثر الأفاعي منتظرين سقوط الأمطار الموسمية ليستحموا مباشرة في المياه الطبيعية رغم الأمراض التي تنتشر بسببها.

تواصل روبينا حديثها عن الحشرات الكثيرة التي تتكاثر في موسم سقوط تلك الأمطار، وعن إصابتها وسكان الحي، كبارهم وصغارهم، بأمراض مختلفة بسببها، محتفظة دوما بوجهها البشوش الذي يصر على تجاوز جميع الظروف الاقتصادية والصحية السيئة للوصول إلى "السجادة الحمراء".

لا شوكولاته للأطفال

نندهش من قدرة الفتاة على الاحتفاظ بالأمل في ظل تلك الظروف التي يعتبر فيها حصول الطفل على قطعة شوكولاته أمرا مستحيلا. مع هذا فهي لا تفكر بالشوكولاته كثيرا لأن إحضارها لن يغير من الواقع شيئا كما تفعل سجادتها الحمراء.

وبملابسها الحمراء المهلهلة، وخلال ما يقارب من اثنتي عشرة دقيقة -هي مدة الفيلم- تروي روبينا وحدها، وبوجه طفولي مبتسم، تفاصيل حياة الأطفال في حي جاريب ناجار ملخصة المأساة التي يعاني منها سكانه دون أن نلمح من كلامها آثار شكوى أو تذمر.

إنها تتحدث عن شوارع الحي باعتبارها البيت الكبير الذي يجتمع فيه الأطفال بعد عودتهم من المدرسة. ثم إنه المتنزه الذي يقضون فيه أيام الإجازات كاملة. الأطفال يصبحون في الحي عائلة واحدة والبيوت تصبح ملكهم جميعا حينما يلعبون لعبة "الاستغماية" ويتخذون من بيوت الحي كافة، مخابئ يلجؤون لها كيفما اتفق.

ورغم أننا كمشاهدين لن نصاب سوى بالإحباط ثم التعاطف مع هؤلاء الأطفال، فإن وجه روبينا ومن معها سيمنحوننا انطباعات أخرى ويأخذوننا بعيدا حين نرى الأمل الذي يبرق في عيونهم من خلال الكاميرا التي تقترب كثيرا -خلال الفيلم- من الوجوه الصغيرة التي تكشف الواقع بنظرة بريئة.

تصالح روبينا مع نفسها ووضعها ومن حولها لا يجعلها تقنع بما لديها، بل إن طموحها يكبر ويزداد لأنها تظن أن وصول أي من أبناء الحي للسجادة الحمراء في الأوسكار سيحسن بلا شك من أوضاعه البائسة، تلك الأوضاع التي جعلت فتاة كروبينا تفكر بطريقة إيجابية، فهي لا تطمح أبدا إلى ترك الحي بل تفكر بالطريقة التي يمكن أن تجعله مكانا أفضل للعيش.

الحلم يتحقق والحي يحترق

فرصة صغيرة يمنحها المخرجان لروبينا لكي تكون مخرجة –بدلا منهما- لثوان معدودة حين تمسك لوحة الكلاكيت وتقول بطريقة تمثيلية تنهي بها الفيلم:

«اسمي روبينا، أعيش في باندرا، هذا ليس فيلما، إنها قصة حياتي».

لكن قصة حياتها ستزداد إثارة حينما نعلم أنها استطاعت الوصول للسجادة الحمراء فعليا وبسرعة البرق، بعدما اختيرت قبل ذلك من بين مئات الأطفال لتشترك في تمثيل الفيلم الهندي "المليونير المتشرد" الذي عُرض عام 2008 وحصد ثمانية جوائز أوسكار، لتحضر حفل توزيع الجوائز في فبراير 2009 وتمشي فعليا على السجادة الحمراء.

لكن أحلاما كهذه لن تسعف حيا كاملا يحتاج لمجهود حكومي حقيقي يقلبه رأسا على عقب. النيران فعلت ذلك حين احترق الحي عام 2011 -قبل أن يُعرض الفيلم التسجيلي "السجادة الحمراء" على الجمهور بعامين-، ليخلف أكثر من ألفي شخص خسروا بيوتهم وأصبحوا بلا مأوى ومن بينهم عائلة روبينا نفسها.

الأمل والإصرار سيظلان شريكين مخلصين لروبينا التي أنهت دراستها الثانوية في باندرا لكنها ما زالت تكافح من أجل تحقيق حلمها الأكبر في احتراف التمثيل.