غدير أبو سنينة → العودة إلى الأفلام التسجيلية
فيلم تسجيلي · المكسيك

حديقة راؤول... حبات رمان منفرطة

منشور عام 2013
الرسام راؤول إيريرا مغمض العينين أمام جدارية غابة في فيلم حديقة راؤول
مشهد من الفيلم التسجيلي «حديقة راؤول» — إخراج ساراسفاتي إيريرا

«ما بعد الصواب والخطأ حديقة، سألتقيك هناك»— جلال الدين الرومي

قالها جلال الدين الرومي سابقا فاتحا بوابة حديقته لتابعيه، بيد أن الرسام راؤول إيريرا، له حديقة خاصة ليست مزروعة بأشجار الرمان وحسب بل بأحلامه الملونة.

تتناغم مشاهد الفيلم التسجيلي المكسيكي، "حديقة راؤول-28 دقيقة" للمخرجة ساراسفاتي إيريرا من أولها لآخرها؛ ففي حين يظهر مغمض العين يروي لنا أحد أحلامه في بداية الفيلم، يظهر في آخره مسافرا إلى النرويج للقاء ابنته في تحليق جوي لا يختلف عن تحليقاته في الحلم.

السقوط

لا نرى منظر حديقة راؤول سوى في مشهد صغير، حين كان يروي كيف اهتز السلم الذي صعد عليه لالتقاط الرمان، وكيف أنه سقط على رأسه وأذنه ثم غاب عن الوعي.

إذ لن تكون تلك الحديقة سوى رمز لحديقة أخرى تنشأ فيما بين "الموت والحياة" لن يلتقي فيها راؤول سوى بذكرياته وأحلامه.

السقوط كان بداية الرحلة رغم أنه لا يذكر كيف حدث بالضبط. لاحقا، تذكَّر أن الرمان قد وقع من يديه، وأنه كان يتحدث مع شخص ما لكنه نسي الشخص والحديث. لا يهم، فراؤول يعتقد أنه ما زال يحلم إلا أنه انتقل لمكان آخر في ذات الحلم.

يستيقظ الرسام في المشفى ليدرك أن الحياة حلم، وأن الواقع ما هو سوى الأشياء التي لا نحلم بها. لم عدت؟ سأل نفسه، وأجاب: كي أرى أبنائي.

طفولة العسكر

سننتقل مع راؤول خلال الفيلم، في عدة أماكن، في محاولة من صناعه لإدخالنا إلى حديقة راؤول النفسية، التي سنجد فيها رسومات تراجيدية لم تأت عبثا. فعلاقته مع أبيه لم تكن قوية، أما الأم التي كانت أفضل ويستمد منها تعليمه، فقد أصبحت تعطي اهتماما أكبر لأخيه الذي كادت أن تودي بحياته بطلقة. كان عمر راؤول حينها تسع سنوات لم تمنعه من رؤية الدم الذي سنرى لونه الأحمر منتشرا في لوحاته.

انضمامه للأكاديمية العسكرية المكسيكية في عمر السادسة عشرة كان أمرا صعبا، لشخص يفضل الإمساك بريشات الألوان على الإمساك بالمسدسات. وفي المرة التي قرر بها الإمساك بمسدس كانت من أجل أن ينتحر وانتهت بإطلاقه رصاصة على يده.

سجنه المتكرر لتمرده على الأوامر، جعل مدير السجن يتساءل عن سلوكه، ليعلم أنه رسام ويقرر إقامة معرضه الأول في الأكاديمية العسكرية ليكون ذلك بمثابة الحلم الذي لم يحلم به في أحسن أحواله؛ إقامة معرضه الأول في أكاديمية عسكرية!

راؤول إيريرا كظلٍّ تحت قوس قزح في مشهد من الفيلم
مشهد من الفيلم — راؤول تحت قوس قزح

فتاة أحلامه

الجانب الأكثر اشراقا في حياة راؤول يظهر حينما يتحدث عن ابنه أليخاندرو وابنته سارسفاتي اللذين يعيشان في المكسيك، وابنته دولخي التي تعيش مع أمها في النرويج. تلك الحالة البرزخية التي عايشها بعد سقوطه حملته للتفكير برؤية ابنته دولخي التي لم يرها منذ عشر سنوات، حين انفصل عن أمها. نبرة صوته وعيناه تلمعان وهو يحكي عن لقائه بها دون أن يغفل كل ما يتعلق باللقاء القصير الذي بدا في الفيلم أطول مما هو عليه بفضل روايته للتفاصيل.

لا يكل راؤول من الحلم رغم أنه في كثير من الأحيان يشعر بالحزن، حين يستيقظ ليرى أن الأشياء والأشخاص الذين رافقوه في الحلم قد اختفوا. إن اليقظة تعني بالنسبة له الضياع والفقدان، فقدان ما كان في الحلم. الحلم الأخير الذي رواه لنا يمكن أن يكون رواية جميلة أو فيلما سينمائيا. كان فيه أنثى، أخت صغرى لثلاث بنات يعشن مع والديهم في إنجلترا. تكبر الفتاة راؤول وتحبل من أحد العمال الذين يدخلون منتجع الأهل. يحبسها أهلها حتى تنجب فتاة جميلة يشترطون ألا تعرف أن راؤول أمها بل مربيتها. تشعر الفتاة أن راؤول أمها وحينها تحلمان بالهرب لباريس، قبل أن يستيقظ راؤول من نومه ليدرك أنه أضاع "فتاة أحلامه".

تستمر رحلة راؤول الذي يسافر مرة أخرى للنرويج للقاء ابنته، لكن رحلاته جميعا تستقر في نهاية المطاف في حديقته الخاصة، حديقة راؤول.