لن نشهد نهاية الفيلم التسجيلي "صحوة السينما" للمخرج الإيراني حبيب بافي ساجد. ذلك أن الكاميرا سقطت أو أسقطت عمدا في نهاية الفيلم ما يوحي بأن غاية ننشدها لم نصلها بعد.
صحوة السينما يجمع في معظم مشاهده من هم على اتصال وثيق بهذا الفن وعلى رأسهم الممثل العالمي أنطونيو بانديراس وهو يحكي متابعته أحداث الثورة التونسية التي انطلقت عام 2010، والتي أطلقت شرارة التغيير في العالم العربي كاملا.
من المحرض؟
لا نعرف ما السبب الذي حدا بصناع الفيلم للبحث عن منزل والدة مفجر الثورات العربية محمد البوعزيزي في تونس؛ فمنذ المشهد الأول وخلال تصوير الفيلم نقترب شيئا فشيئا من الوصول لمنزل الأم التي فقدت ابنها في مشهد تراجيدي دفاعا عن الحرية والكرامة. ما الذي يودون معرفته من الأم؟ هل يرغبون في التعرف إلى تلك التي علمت ابنها أن الكرامة أهم من الحياة؟ أم كانوا يبحثون عن وسيلة لتكريم أم الشهيد؟ لنتابع الفيلم كي نصل لإجابة!

تختلط المشاهد الواقعية لأحداث الثورتين التونسية والمصرية بأحداث أفلام صنعت عن الثورات حتى نكاد لا نعرف أن نميز في لحظات معينة ضمن ما هو مصور سينمائيا وما هو تصوير واقعي من أرض الحدث، ففيما يبدو أن الثورات نفسها وتجمع الحشود وهتافهم في وقت واحد بل وتنظيمهم في الشوارع، هو صنيعة مخرج متمرس، ولن يكون هذا المخرج سوى الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية إضافة لانعدام الحرية من جعلهم يملؤون تلك الشوارع ساخطين على أوضاعهم لكنهم متفقين على كلمة واحدة، حتى نصاب بالحيرة فيمن يقلد الآخر، هل تشبه أحداث الثورات مشاهد السينما أم العكس؟
لقد حاول الفيلم أن يبحث عن إجابة لهذا التساؤل عن طريق مخرجين آخرين من تونس والمغرب ومصر والعراق ولبنان. وفي حين كان رأي البعض أن ثمة الكثير من الأفلام التي ساهمت بشكل غير مباشر في إشعال فتيل الثورات وكانت محرضة على الأوضاع القائمة، ومنها أيضا أفلام كوميدية انتقدت الأنظمة بطريقة ساخرة، رأى بعضهم أن المحرض الرئيس للثورات هو سوء الأوضاع في المقام الأول وانعدام حرية التعبير واتخاذ السلطة موقع الرقيب المحاسب للمواطن حتى خنقه.
الإجابات كانت تماما كمشاهد الفيلم التي لن نميز من خلاله من أثر بالآخر وانعكست أحداثه عليه.
مع هذا، فغالبية مشاهد الفيلم لا تبدو جديدة على المشاهد العربي الذي أجبر –ولو لم يكن مهتما بالسياسة- على متابعة ثورة تونس خاصة بأدق تفاصيلها، فهي الثورة التي فاجأت وأدهشت العالم بأجمعه وليس العربي فحسب. لا أسرار مخبأة يكشفها الفيلم إذا ولا حتى لغير العرب الذين اضطروا لمتابعة ذلك الحدث "الغريب" الذي بدأ بالنضوج في "العالم الثالث". ويبقى الخيط الجاذب هو بيت والدة البوعزيزي الذي ما زلنا مع صناع الفيلم نسير بحثا عنه.
نهاية مفتوحة
وإلى جانب المخرجين السينمائيين الذين أدلوا بآرائهم ونظرتهم لدور السينما في صحوة الشعوب، أو دور الشعوب في صحوة السينما، نسمع صوت الفتاة التونسية التي لم تظهر أبدا في الفيلم وهي تروي الرعب الذي عايشته مع أهلها وجيرانها خلال الثورة، بل وتروي دهشتها من قسوة العسكر الذي هو ابن للبلد ذاتها لكنه لا يتورع عن قتل إخوته من التونسيين. الفتاة نفسها تبدو مغيبة عما كان يجري في تونس أصلا من اعتقالات وتعذيب وتضييق على الحريات كانت تحدث بشكل غير معلن، ثم ما حدث أن خروج الناس بتلك الكثافة جعل السلطات تعلن ردة فعلها دون حياء وعلى الملأ، وثمة من أيد كلامها من أنهم كانوا يجهلون حقيقة الوضع البائس في تونس حتى جاءت الثورة ماطية اللثام عن الفساد الذي كان يستشري بها.
"فهمتكم، فهمتكم"، الكلمة السحرية التي دعم بها الرئيس التونسي المخلوع خطابه المتوتر الأخير سنسمعها مرة أخرى في الفيلم وهو يشارف على النهاية، نهاية حقبته الرئاسية لكن ليست نهاية الثورة.
إنه المشهد الأخير والأهم بل والجديد أيضا في كل ما مر بنا في الفيلم، ما زلنا نسير إذا بحثا عن منزل والدة البوعزيزي الذي لن نصله أبدا، بل سندخل منزلا خاويا مدمرا كتبت على جدرانه شعارات ورسومات لا تعكس سوى مشاعر تمرد، لتنكسر الكاميرا عفوا أو عمدا مخبرة إيانا أننا والثورة لم نصل لغايتنا بعد.
