غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من المكسيك

لـ"حاصدة الأرواح" يوم في المكسيك

ملف المكسيك 2017
لـ"حاصدة الأرواح" يوم في المكسيك

كانت الرياح قوية أثناء خروجي و"آنا روسا مورينو" من كاتدرائية بويبلا، في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2017، خِلتها رياحا خريفية، لكن آنا باغتتني بالقول إن هذه الرياح التي تهب باتجاهنا ما هي إلا أرواح الموتى الذين سيأتون في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني لزيارة أقاربهم الأحياء.

في ساحة السوكالو بمدينة بويبلا، جلست معها مقابل الكاتدرائية، وهي واحدة من أكبر الكنائس في أميركا اللاتينية، وواحدة من 365 كنيسة أخرى تنتشر في تلك المدينة المحافظة -إلى حد ما- حيث كان نشر الدين المسيحي في القارة اللاتينية من أنجع الأسلحة للخضوع للمستعمر الجديد.

لم تترك الشعوب الأصلية طقوسها المتعلقة بالاحتفاء بالموتى، ومزجتها مع عقائدها الكاثوليكية.يُقال إن الإسبان غيروا تاريخ يوم الأموات وقرّبوه من عيد جميع القديسين الذي يوافق 31 أكتوبر/تشرين الأول، لأنهم لم يتمكنوا من منع السكان الأصليين من استقبال أمواتهم.

ليس صعبا أن تعرف أن لآنا روسا جذورا محلية؛ فملامح وجهها تدل على ذلك، فجدتها لأمها من "الناواتل"، وماتت منذ فترة قريبة لكنها ستعود مع والدها المتوفي لزيارتهم في يوم الأموات.

سألتها: "هل تشعرين بمجيئهما؟" فقالت "نعم، نحن نحضر الأطعمة المفضلة لهما في حياتهما وننتظر قدومهما".

فقلت "وكيف تعرفون أنهما أتيا وغادرا؟" فقالت "من طعم المأكولات، فحين يأتي الأموات لزيارتنا يتناولون طعامهم، وحين نتذوق الطعام ونجده بلا طعم، ندرك أنهم تناولوه وغادروا".

أعمار الموتى تصبغ الصلبان

في مقبرة ببلدة "سان هوان تشامولا" التابعة لتشياباس، رأيت عائلة تنظف قبرا، علمتُ أنه للجد الذي توفي في ستينيات القرن الماضي، وكان حفيده يزيل عنه الأوساخ العالقة.

في يوم الأموات ستتحلق العائلة حول القبر ومعها زهور السيمباسوتشيتل، وسيحضرون له الشراب الذي يحب، وهو مشروب كحولي يُسمى "بوش"، منتشرا بين أوساط السكان الأصليين، ويصنع من قصب السكر والذرة بعد التخمير.

تردد الحفيد في الإجابة عن سؤالي: إن كان الجد يأتي حقا أم أنهم يحتفلون بيوم الأموات من باب العادة، شجّعته بقولي "إن أمواتي يأتون إلي في أحلامي"؛ رد مباشرة "نعم، إن الأموات يأتون في هذا اليوم، نعلم ذلك من آثار خطوات أقدامهم".

راؤول، الذي يعمل مرشدا سياحيا في تلك المنطقة، ويتحدث لغات "السنتال" و"التسوتسيل" والإسبانية؛ أخبرني أن الكثير من أهالي المنطقة يحضرون لأقاربهم المتوفين مشروب الكوكاكولا أو البيبسي، فمفعول البوش والمشروبات الغازية متقاربان، كلاهما يحمل شاربهما على التجشؤ والاسترخاء، كما أن المشروبات الغازية رخيصة الثمن ومنتشرة بشكل كبير في تلك المنطقة.

كل مقابر المكسيك تُفتح في يوم الأموات لاستقبال ذويهم الذين يحيطون القبر بما كان يحبه الميت في حياته. وفي اليوم الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، سيأتي الأموات إلى بيوتهم، البعض يكتفي بتحضير مذبح في البيت وتهيئة ممر البيت ليدخل الأموات ويخرجون بهدوء.

مدنٌ مثل تشياباس وواخاكا ستمتلئ مقابرها بالزوار طوال اليوم، وستكون ورود في كل مكان وأطعمة ومشروبات روحية وسكاكر ورائحة بخور وألعاب للأطفال وصورهم.

الصلبان في مقبرة سان هوان تشامولا كانت ملونة، الأزرق والأخضر -قال راؤول- للأموات من الشباب، والأسود للكهول، والأبيض للأطفال، وإن كان هناك أكثر من صليب بألوان مختلفة، فهذا يعني أن أفرادا مختلفي الأعمار من عائلة واحدة مدفونون في ذلك القبر.

الصلبان قد تُغرز في أرضية المقبرة كل عام أو كل عدة أعوام في يوم الأموات تحديدا، والصليب المنصوب في مقدمة القبر جديد، فقد كان السكان الأصليون يستخدمون الحجارة لتمييز المقابر، وبعد اختلاطهم بأهل المدينة في سان كريستوبال بدؤوا استخدام الصليب.

البكاء؟ إنه أمر ممنوع في تلك المقابر، لا تسمح تقاليد السكان الأصليين بتعكير صفو الأموات، سيأتون للاطمئنان على الأحياء، وعلى الآخرين إظهار أجواء المرح. يستذكر أقارب الميت في ذلك اليوم مواقفه الطريفة ويروون النكات ويضحكون.

الأرواح تأتي بالترتيب، الذين قضوا في حوادث أولا. وأشارت لي آنا روسا إلى صليب في الطريق بمدينة بويبلا، شرحت لي أنه نصب في ذلك المكان بسبب موت أحدهم في حادث سير، عندها ينصب أهله صليبا فيه ويزينونه في يوم الأموات. والغرقى يأتون بعد ذلك، فالأطفال، ثم الأموات المؤمنون وجميع القديسين (وهنا معتقد كاثوليكي).

وفي اليوم الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني، يأتي الأموات جميعا. تقول أسطورة روتها لها جدتها إن شخصا لم يكن يصدق أن الأموات يعودون للحياة ويزورون أقاربهم في ذلك اليوم، لذلك لم يجهز العطايا لهم، فإذا بهم يدخلون البيت ويخرجون منه وهم حزانى، بينما شاهد بقية الأموات يغادرون فرحين.تقول آنا روسا وقد شارف هذا اليوم على الاقتراب، إن الأموات يأخذون معهم نور الشموع حين يغادرون.

سكاكر من الجماجم

في شارع فرعي من بويبلا مصنع حلويات يديره "إيميليو كينتانا راميرس"، وهو رابع جيل في إدارة المصنع الذي يعمل به أبناؤه أيضا، ويستخدم السكر والماء في قوالب من الطين على شكل جماجم بشرية بأحجام مختلفة، ثم توضع صبغات لتزيين الجماجم، ويشتريها المكسيكيون، ويطلبها الأميركيون من المكسيك، ويقيم هذا المصنع ورشات لتدريب الطلاب على صنع سكاكر الجماجم. وفي مدن أخرى يصنعون السكاكر على شكل توابيت وهياكل عظمية.

وعن أصل التقليد، تشرح ماريا أسبي، أستاذة التاريخ في جامعة "إيبوآميريكانا" في العاصمة المكسيكية؛ أن الموت بالنسبة للأديان التي سادت قبل الاستعمار الإسباني لم تكن له قيمة "أخلاقية"، تذهب بالمؤمنين للجنة والكافرين للنار، بل هو رحلة لحياة أخرى هي "الميكتلان" التي تعني "أرض الأموات".

الموت بالنسبة للميشيكا أو الأزتيكا يتمثل في الجمجمة، وهذا يفسر الاحتفاء بسكاكر وأشكال الجماجم في يوم الأموات. وفي المعبد الأعظم (تيمبلو مايور) يوجد مكان يسمى سومباتلي، كانت توضع به جماجم الأموات.

علاقة "الميشيكا" (سكان بعض المناطق في المكسيك قديما) بالموت ليست علاقة رعب وخوف، بل الموت هو انتهاء فترة وبداية أخرى؛ فحسب التقويم الأزتيكي (نسبة لشعب الأزتيك)، فإن هناك دورة للحياة كل 52 عاما، وتنتهي الدورة أو تبدأ بظاهرة فلكية، ككسوف الشمس مثلا أو خسوف القمر، لتبدأ دورة جديدة وعصر جديد، ولهذا فالموت عندهم ليس النهاية بل بداية حياة جديدة.

تضحك ماريا آسبي وهي تقول إنهم يطلقون على الموت ألقابا طريفة كـ"حاصدة الأرواح" و"العروسة"، لأن الموت يرتدي لباسا أبيض، ويسمونه "الحاكمة"، ولنأخذ بعين الاعتبار أن الموت بالإسبانية مؤنث، ولهذا فكثير من الهياكل العظمية التي ترمز له ترتدي فساتين وأثوابا نسائية.

×