لم يكن للسياحة حضور واضح في كوبا حتى مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، حين انهار الاتحاد السوفياتي تاركا لكوبا أن تواجه أزمتها الاقتصادية وحدها.
كان على الحكومة الكوبية أن تفكر في بدائل أخرى، ففتحت المجال أمام القطاع السياحي وروجت له وطورته منذ بداية التسعينيات، ثم جعلت له وزارة خاصة عام 1994، إذ وجدت قبل ذلك التاريخ شركات سياحية في نطاق ضيق، حتى أصبح الاقتصاد الكوبي يتكأ على عكازتين: الطب والسياحة.
لا موناكو في هافانا
تعج شوارع هافانا بالفنادق، وقد تعجز عن إحصائها، لكنك لن تجد لافتة واحدة تشير إلى وجود ناد للقمار.
أماوري آرتسي مدير فندق برشلونة في مدينة سانتا كلارا، قال تعليقا على ذلك إن الحكومة الكوبية منعت إقامة نوادي القمار التي كان يملكها زعماء المافيا قبل الثورة، كما حققت الثورة إنجازا في السيطرة على تجارة المخدرات وترويجها في الجزيرة، وبذلك فهي لا تعاني من تلك المشكلة التي تعاني منها دول كثيرة في أميركا اللاتينية.
وبذلك نجحت الثورة الكوبية في توفير الأمن لمواطنيها أولا، ثم لسياحها الذين بإمكانهم التنزه في شوارعها حتى ساعات متأخرة من الليل على عكس الكثير من الدول المجاورة، كما أشار لذلك السائح الإسباني خيسوس لوبيس الذي قارنها بالمكسيك وكولومبيا حيث تعرض أصدقاؤه للسطو من قبل بعض أفراد العصابات، ويقول "هذا لا يمكن أن يحدث في كوبا مطلقا".
ولا يعني هذا خلو الجزيرة التام من المخدرات أو السياحة الجنسية، لكنها تبقى في إطار ضيق جدا وخصوصا إذا قارناها بتاريخ ما قبل الثورة، إذ أوشكت كوبا أن تشبه لاس فيغاس بسبب كثرة نوادي القمار فيها، وكانت حكومة باتيستا تطمح في "نقل موناكو إلى كوبا"، إلا أن موناكو ظلت مكانها وفرَّ ظلُّ لاس فيغاس من هافانا للأبد.
فما الذي يجذب السياح -وأكثرهم من الأوروبيين- لكوبا؟
هل تكفي شواطؤها المطلة على الكاريبي، أو سياراتها ومبانيها القديمة التي جعلت البلد يحتفظ بنكهة خمسينيات القرن الماضي، بل حولت شوارعها لمتاحف ومعارض مفتوحة؟ وهل يكفي طعم السيجار الكوبي الشهير والرغبة في تجريبه، ومتاحف ومدن كوبا التاريخية للفت نظر السياح لهذا البلد الذي يعتبره الكثيرون معقل الشيوعية الأخير؟
الثمرة المحرمة
يقول آرتسي إن وزارة السياحة الكوبية كانت قد أجرت استطلاعا للسياح عام 1999 بشأن سبب حضورهم لكوبا فكانت إجابة 600 منهم أنهم جاؤوا كي يتعرفوا على الجزيرة التي بقيت معزولة مدة طويلة حتى أثارت فضول الكثيرين لزيارتها.
استقبلت كوبا عام 2013 ما يزيد على المليون سائح، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد من قبل السياح الأميركيين بعد رفع الولايات المتحدة حصارها الاقتصادي عنها، فهل كوبا مستعدة لاستقبالهم؟
طرحنا هذا السؤال على آرتسي، فلم نر منه ما يدعو للتفاؤل، إذ قال "لنقل إن كوبا الآن تستوعب مليون سائح، وثمة نقص في بعض المواد لدينا في الفنادق. البطاطا على سبيل المثال، تتوفر فقط في مواسم زراعتها، أحيانا تنقصنا بعض المواد الغذائية في المدينة، أنا أتساءل كيف ستتمكن الدولة من استيعاب عدد كبير من السياح الأميركيين، والمعروف عنهم أنهم شعب مستهلك؟ ليس هناك سيارات أجرة كافية، المطار نفسه غير مهيأ لاستقبال الأعداد المتوقعة، ثم ماذا عن الإنترنت الذي تماطل الدولة في تسهيل استخدامه من قبل المواطنين؟ علما أن فنزويلا كانت قد أعلنت أن كوبا تستطيع مد كابلات من الكابل الرئيسي الموجود على أراضيها".
ويمضي آرتسي في تساؤلاته: "كيف سيتعامل السياح أنفسهم مع هذه المعطيات؟ أعتقد أننا نحن الموظفين في وزارة السياحة سنواجه مشاكل في استيعاب أعداد جديدة، ولا أظن أن بإمكان الدولة في الوقت الحالي توفير اللازم لاستقبالهم".
ويعتقد رغم عدم تفاؤله بترتيبات الدولة أن هذا لن يمنع السياح، الأميركيين خصوصا، من التوافد على كوبا، التي تشكل لهم "الثمرة المحرمة"، التي كانوا ممنوعين من الاقتراب منها، "ثمة أربعة أجيال متشوقة لرؤية الجزيرة المعاقبة"، يقول ضاحكا.
في الوقت نفسه، فقد أتاحت الحكومة للمواطنين تأجير غرف في بيوتهم للسياح بعد أن كانت جميع تلك المرافق حكرا على الدولة، أو تحويل المنزل نفسه لنزل صغير.
ورغم تحفظات آرتسي على كيفية استعداد الدولة بكل مرافقها لاستقبال الأعداد المتوقعة من السياح، فإن من السهل ملاحظة المباني التي ترممها الدولة في سبيل تحويلها لفنادق، سواء أكان ذلك في العاصمة الكوبية هافانا أو في المدن الأخرى. "الفنادق وحدها لا تكفي" يعلق آرتسي.
خيسوس لوبيس، عامل في مقهى خاص، أنهى دراسة سنتين جامعيتين ثم ترك الدراسة لتحسين أوضاعه المادية، يبدو متفائلا جدا فيما يخص التطور الذي سيطرأ على قطاع السياحة كما هو متوقع، ويعتقد أنه من الممكن أن نرى قريبا في شوارع هافانا مطاعم الوجبات السريعة المشهورة كماكدونالدز وكنتاكي، مؤكدا أن وجود تلك الاستثمارات في كوبا سيشغل الكثير من الأيدي العاملة وينعش اقتصاد البلاد.
بقي أن نقول إن من الواضح أن كوبا تتعامل مع السائح كطفل مدلل وتعامله معاملة خاصة كونه يشكل موردا اقتصاديا هاما، وربما تكون العملتان النقديتان الكوبيتان من أبرز الاختلافات التي يحار السائح الأجنبي نفسه في تفسير وجودهما، ففي حين يتعامل السياح بـ"سي يو سي" الكوبي والذي يعادل دولارا واحدا، فإن المواطن العادي يتعامل بـ"بيسو" الكوبي، ذي القيمة المنخفضة إذا ما علمنا أن كل "سي يو سي" يعادل ما قيمته 25 بيسوا كوبيا، وهي العملة التي تصرف بها الدولة رواتب الموظفين.









