غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كوبا

الكوبيون.. الاختناق بحبل الاشتراكية

ملف كوبا 2015
الكوبيون.. الاختناق بحبل الاشتراكية

كانت عيناي تجوبان داخل سيارات الأجرة التي ركبتها في العاصمة الكوبية هافانا، ولم تكد تخلو إحداها من مفكات وأدوات تصليح بدائية، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من محركات السيارات التي ما زالت تعمل منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وحالة السيارات هذه تكاد تنطبق على حياة الكوبيين القائمة على إحياء الموتى.

"نحن الكوبيون، نخترع، كي نواصل العيش"، هذا ما ستسمعه كثيرا في الشارع حين تسألهم كيف يتدبرون أمورهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة، فالأشياء بين أيديهم تعمر طويلا، لأن التخلص منها يعني فقدانها للأبد.

في الشارع أيضا لن ترى صورا كثيرة لفيدل كاسترو، أو حتى لأخيه الرئيس الحالي راؤول، وإن وجدت صور فيدل فهي بجانب تشي غيفارا أو الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، على عكس ما يتوقع من بلد اشتراكي يعتمد على شخصية الرئيس الكاريزماتية، فالثورة -سيحدثك الكثيرون- هي الأهم في عيني فيدل كاسترو "المثاليتين". وفي ذات الشارع، لا يمكن أن تلمح طفلا مشردا، أو متسولا، أو عاملا. يقولون في كوبا "دولة فقيرة، وشعب غني".

عصفور في اليد

خمس بيضات وأقل من نصف كيلو لحم أو دجاج ومثله من الأرز والسكر والفاصوليا هي حصة كل كوبي من التموين الذي توزعه الدولة على مواطنيها مجانا ولمدة شهر كامل، لكنها لا تكفي لخمسة أيام. تعليم مجاني شامل (الأدوات المدرسية من كتب ودفاتر)، محو كامل للأمية، تأمين صحي واستقرار عام يحمل الكوبيين على تحمل انخفاض الرواتب التي تتراوح ما بين 10 و25 دولارا، مطبقين مقولة "عصفور في اليد، خير من عشرة على الشجرة".

الشقة التي تعيش بها ماريلينا -التي تعمل في دار نشر لاس أميريكاس وسط هافانا- تقع مقابل الساحل تماما، وحين سألتها عن كيفية شراء شقة في هذا الموقع أخبرتني أن الثورة أمنت المساكن في البداية، وعند انتصارها صدر قانون يقضي بتمليك البيوت لساكنيها المستأجرين. أصحاب البيوت خسروا ملكيتها واحتفظوا بالبيوت التي يسكنوها فقط، فيما أصبح المستأجر رب المنزل.

كان ذلك حلا مؤقتا في تلك الفترة، لكن امتداد العائلة أصبح إشكالية للدولة، حين لم تستطع سوى إنشاء عدد قليل من المساكن التي لا تسد حاجة النمو السكاني، ما حدا بكثير من العائلات إلى تقسيم المنزل لاستيعاب تمدد الأسرة.

فماريلينا التي تعيش مع ابنتها فقط، تؤجرغرفتين في منزلها للسياح، وهي متفائلة بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، التي تعتبر أن ما فعلته بكوبا يضعها في خانة الأعداء، لكن لكل زمن أحكامه.

خوسيه، المدرس السابق في وزارة التربية والتعليم، والذي يعمل سائق أجرة حاليا يقول إنه سافر للعمل في الإكوادور وفنزويلا لكنه عاد إلى كوبا بعدما تيقن أن الحياة كمواطن كوبي أفضل منها كمهاجر. فترك الوظيفة -التي تستهلك الكثير من وقته ولا تعود عليه بشيء تقريبا- للعمل بالقطاع الخاص، حيث سيدفع جزءا من دخله للدولة إضافة إلى 10% من الربح.

على عكس أصحاب الغرف المؤجرة الذين يخشون زيارة المراقبين لبيوتهم للتأكد من تسجيل أسماء النزلاء في إدارة الهجرة، فصاحب المنزل سيدفع غرامة مالية كبيرة، وسيساق للسجن إن كان لديه نزلاء لم يسجلهم في الإدارة.

خوسيه الذي لا يشكو كثيرا من أوضاع البلاد يقول إنه ينتظر من تطبيع العلاقات "تحسن الاقتصاد وبالتالي زيادة الأجور، وتوفر المواد اللازمة والتي كثيرا ما نفتقدها في كوبا".

إلا أن قيصر، الذي يعمل في عدد من الأشغال الحرة، يعتقد أن الأمور لن تتغير في كوبا كثيرا، أو أنها ستتغير ببطء شديد، فإما أن يكون التغيير للأفضل أو تبقى كما هي دون أن تسوء، إذ ليس هناك أسوأ من الوضع الذي هم فيه.

قدر الضغط

سيكون من النادر أن ترى شخصا يعارض عودة العلاقات بين بلده والولايات المتحدة، لكن الكثير منهم يعتقد أن هذه الخطوة لن تكون في صالح المعارضين الكوبيين المقيمين في أميركا، أو اللاجئين الذين استفادوا من قانون الضبط الكوبي الذي يمنح لجوءا سياسيا للكوبي في الولايات المتحدة، حتى بات كثير من اللاتينيين يسعى للاقتران بزوج كوبي لضمان حصوله على إقامة قانونية.

ولا يخفي أغلبهم امتعاضه من بعض ما يسمونه تعسفا في قرارات حكومتهم، كعدم إيجاد تفسير مقنع للضرائب المرتفعة المفروضة على السيارات.

معظم كبار السن، يفضلون البقاء في كوبا رغم كل المشقات التي استطاعوا بجهد وصبر كبيرين التعايش معها. السيد جيرمو، على سبيل المثال، يعيش أبناؤه منذ عقدين في الولايات المتحدة، ويزورهم مع زوجته من حين لآخر، لكنه يرفض تماما الاستقرار هناك، ويفضل العيش في مدينة ريميذيو الصغيرة، مع زوجته كلارا التي تقول إنه لولا قرار زوجها لبقيت في ميامي مع أبنائها.

ثمة آخرون استخرجوا جوازات إسبانية، حين أتاحت السفارة الإسبانية للكوبيين ذوي الأصل الإسباني الحصول على جنسيتها إذا استكملوا الأوراق المطلوبة، ما جعل طوابير مؤلفة تقف على أمام السفارة الإسبانية في هافانا للحصول على الجنسية الإسبانية والسفر إلى الولايات المتحدة عن طريق بلد ثالث.

ماجدا (مواليد 1968)، حاصلة على الماجستير في الأدب الإسباني، ومع هذا فهي تصنع الحلويات يوميا لتبيعها لأطفال المدارس والمارة من شباك صغير في بيتها يطل على الشارع، تقول -مقاطعة زميلها لويس مانويل، حين قال إن 60% من الشباب يطمحون للهجرة- بل قل: 90%.

ترى ماجدا أن تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، لن يشكل حلا سحريا، فالأزمة التي تعيشها كوبا داخلية في المقام الأول. وحين تحدثت عن انعدام حرية التعبير في بلادها، تذكرتُ الصحيفة الرسمية لكوبا "غرانما"، التي هي عبارة عن صفحتين فقط وبحجم صغير.

ماجدا، علقت على التعديلات القانونية التي أجرتها الحكومة لإتاحة الفرصة للعمل الخاص، أو التخفيف من القيود على حرية التعبير -دون إلغائها- هو أن وضع الشعب الكوبي يشبه قدر الضغط، به غليان داخلي، وما تفعله الحكومة هو تنفيس القدر من حين لآخر، لكنها ترى أن القدر سينفجر يوما ما.

×