في الأول من يناير/كانون الثاني 1959 تنتصر الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو ضد حكم فولخينسيو باتيستا الدكتاتوري. فمنذ استقلالها عن إسبانيا عام 1898، خضعت كوبا لحماية الولايات المتحدة، في حين تولت حكمها أنظمة دكتاتورية، وسيطرت المصالح الأميركية على اقتصادها وخصوصا فيما يتعلق بإنتاج السكر.
بعد أسبوع من هروب باتيستا لجمهورية الدومينيكان، وفي الثامن من يناير/كانون الثاني 1959، دخل كاسترو وقواته شوارع هافانا في موكب ظافر وسط حشود الناس التي اعتبرته بطلا قوميا.
وفي العاشر من يناير/كانون الثاني من العام ذاته، وخلال إلقائه خطابا أمام الحشود حطت حمامة بيضاء على كتف كاسترو وبقيت في مكانها حتى أنهى خطابه، فاعتبر كثير من الكوبيين أن ذلك دليل على أن الآلهة نفسها قد اختارته للحكم، حسب الدين الأفريقي القديم (السانتيريا).
اليانكي خارج الجزيرة
قامت الحكومة الجديدة بتغييرات جذرية، فناهيك عن مصادرة الاحتكارات المحلية والأميركية، فقد خطت خطوات واسعة في الإصلاح الزراعي، وتوسيع الخدمات الصحية، وتحسين مستوى التعليم بفرضه على الجميع، وزيادة عدد المدارس والجامعات وحملات محو الأمية، ومساواة الأجور.
كانت هذه الإجراءات، التي قضت على النظام الرأسمالي وعلاقة كوبا التجارية والدبلوماسية الجيدة بالدول الاشتراكية والدعم الذي قدمته للنضال الاجتماعي في عدد من البلدان، سببا في قيام "اليانكي" بعزل الجزيرة عن الدول اللاتينية الأخرى، وإغراقها في حصار اقتصادي وبحري أثّر على الشعب الكوبي منذ عقود.
ففي عام 1960، حاول "اليانكي" -وهو الاسم الذي يطلق على الأميركيين في القارة اللاتينية- الإطاحة بحكم كاسترو والتخلص منه بسبب استبعاده مصالح الولايات المتحدة في الجزيرة، وعلاقته القوية بالاتحاد السوفياتي.
بعد ذلك بعام، قطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إذ كانت حكومة كاسترو قد أممت جميع الشركات الأميركية، وردت عليها واشنطن بفرض حظر تجاري على الجزيرة، فوسعت كوبا روابطها التجارية مع الاتحاد السوفياتي، فما كان من الولايات المتحدة سوى أن ضغطت على بقية بلدان القارة اللاتينية بهدف طرد كوبا من منظمة الدول الأميركية، وتحقق لها ذلك، ما عدا المكسيك التي بقيت محتفظة بعلاقتها بكوبا.
وفي السابع عشر من أبريل/نيسان 1961، قام 1300 معارض كوبي بإنزال بحري في جنوب كوبا وتحديدا في خليج الخنازير وذلك بدعم من الولايات المتحدة، لكن العملية التي أشرفت عليها وكالة الاستخبارات الأميركية باءت بالفشل.
وفي خريف عام 1962، أصبحت العلاقات بين البلدين أكثر توترا، حينما وجدت الولايات المتحدة أن كوبا أقامت في أراضيها قاعدة صواريخ سوفياتية الصنع. أعلن حينها الرئيس الأميركي جون كينيدي حصارا بحريا على الجزيرة من أجل منع وصول السفن السوفياتية المحملة بالأسلحة. وبعد أيام عدة من المفاوضات، وافق الرئيس السوفياتي السابق نيكيتا خروتشوف على تفكيك الصواريخ وإزالة قواعدها، في مقابل وعد من كينيدي بعدم غزو الجزيرة.
وبوساطة من السفارة السويسرية في كوبا، سمحت الدولتان عام 1965 للكوبيين الراغبين في الهجرة للولايات المتحدة بالسفر، حيث هاجر 260 ألف كوبي من البلاد قبل إنهاء عملية النقل الجوي بطريقة رسمية في أبريل/نيسان 1973.
وبعد طردها من منظمة الدول الأميركية، اتهمت الولايات المتحدة كوبا بمحاولة إشعال ثورات في فنزويلا وغواتيمالا وبوليفيا، البلد الذي انتقل إليه تشي غيفارا مع مجموعة من الثوار حيث ألقي القبض عليه وإعدامه عام 1967.
في هذه الأثناء بقيت كوبا تتلقى الدعم من الاتحاد السوفياتي والبلدان الاشتراكية، ثم وقعت عدة عقود تجارية عام 1972 لضمان المساعدات المالية السوفياتية والتبادل التجاري بين البلدين، ثم أصبحت كوبا عضوا في مجلس التعاون الاقتصادي المشترك (كوميكون).
في يوليو/تموز 1975، وخلال اجتماع عقد في عاصمة كوستاريكا سان خوسيه، أصدرت منظمة الدول الأميركية قانونا يمنح حرية الحركة لكوبا بهدف تخفيف الحظر الاقتصادي والعقوبات. كما تحسنت علاقة كوبا بالولايات المتحدة، وأصبحت القيود على السفر من كوبا إلى أميركا أكثر مرونة.
وفي عام 1977، فتح البلدان مكتبي "رعاية المصالح" في عاصمة كل منهما. مع هذا، فقد حذرت الولايات المتحدة كوبا من أنه لا يمكن تطبيع العلاقات إلا إذا قبلت بمطالبها المتعلقة بإيقاف الأخيرة نشاطها في أفريقيا.
نقل كوبا لأفريقيا
في أواسط الستينيات من القرن الماضي، دخلت كوبا القارة الأفريقية بعدد من المستشارين العسكريين في أنغولا وإثيوبيا. وكان كاسترو قد أرسل جنودا شكلوا جزءا من الحرس الوطني الشخصي للرئيس الكونغولي ألفونس ماسيمبا ديبات، ثم اشتركت فعليا في القتال إلى جانب حكومة أنغولا الماركسية عام 1975.
بعد ذلك، عززت القوات الكوبية الحكم الماركسي في إثيوبيا، وساهمت بانتصاره على الصومال في إقليم أوغادين. فسر الغرب الوجود الكوبي في القارة الأفريقية بأنه رأس حربة السيطرة السوفياتية في المنطقة، في حين تلقت كوبا من الاتحاد السوفياتي مساعدة مالية تقدر بأكثر من ثلاثة ملايين دولار يوميا عام 1979.
وفي عام 1980، خفف كاسترو من القيود المفروضة على السفر خارج كوبا، فخرج 125 ألفا من البلاد للولايات المتحدة، قبل أن يوقف ذلك فيما عرف بـ"الهروب الجماعي للمارييل". وعلى أثر ذلك، أوقفت العلاقات مع الولايات المتحدة مرة أخرى حينما اتهمت واشنطن كوبا بدعم المتمردين اليساريين في السلفادور، وتقديم مستشارين لحكومة نيكاراغوية ساندينية.
الحصار إبادة جماعية
وبحلول عام 1990 وانهيار الاتحاد السوفياتي، خسرت كوبا أهم حليف وداعم لها في المنطقة. في حين شددت الولايات المتحدة عقوباتها على كوبا، رغم قرار جمعية الأمم المتحدة عام 1992 وضع حد للحظر الأميركي.
وفي عام 1996، أقرت الولايات المتحدة قانون هيلمز بورتون، الذي عزز المقاطعة التجارية. وفي عام 1998، قام البابا يوحنا بولص الثاني بزيارة تاريخية لكوبا، في رسالة وجهها للولايات المتحدة كي تغير من سياستها، في وقت أعلن كاسترو أن الحصار الاقتصادي هو إبادة جماعية وتجويع للشعب الكوبي.
وفي عام 1999، كانت هافانا مقر مؤتمر الدول الأيبيرية الذي وقع فيه "إعلان هافانا"، الذي يدعو لإيقاف العمل بقانون هيلمز بورتون.
وفي 17 ديسمبر/كانون الأول 2014 تم إنهاء أطول حصار اقتصادي في التاريخ، استمر خمسين عاما من قبل الولايات المتحدة الأميركية ضد كوبا، وذلك إثر صفقة تبادل أسرى بين البلدين.










