غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كوبا

أسطورة الطب في كوبا

ملف كوبا 2015
أسطورة الطب في كوبا

اتفقت مع الطبيب الكوبي دافيد ليما كاريو على اللقاء في بيته بمقاطعة فيا كلارا الواقعة جنوب العاصمة الكوبية هافانا، لأن إجراء لقاء في المشفى الذي يعمل به يتطلب تصريحا رسميا وإجراءات معقدة.

وصلت منزله ووجدت لافتة لنزل صغير على بابه، ظننت نفسي قد تهت كعادتي في المدن الغريبة والكبيرة. طرقت الباب لأسأل فاستقبلني بابتسامة خفيفة، فهم حيرتي فبادر إلى التوضيح: " لا يزيد ما أتقاضاه عن 25 دولارا في الشهر، بالكاد يكفيني لمتطلبات الحياة الأساسية. كما ترين سمحت لنا الدولة بتحويل البيت إلى نزل صغير نستقبل فيه السائحين."

لا يفكر كاريو في مغادرة البلاد والبحث عن حياة أفضل خارجها، فهو يرى أن الطب مهنة إنسانية في المقام الأول ويقول "أفضّل البقاء مع عائلتي وفي بلادي على مغادرتها والعيش كمهاجر، فالولايات المتحدة التي يرحل إليها الكثير من الكوبيين لا تعترف بشهادتي كطبيب، وعلى الأغلب سأكون ممرضا في أحسن الأحوال، الأمر الذي أرفضه جملة وتفصيلا".

لا تشكل مصدر دخل جيد للفرد في كوبا، مع أنها تشكل المصدر الأول لموارد الدولة كما يشير الكتاب السنوي لإحصائيات عام 2013، والذي عثرت عليه في المكتبة الوطنية بهافانا. يؤكد كاريو ذلك، حيث أخبرني أنه تم إيفاده إلى عدة بلدان كفنزويلا وأنغولا ومالي مع عدد من الأطباء الكوبيين، وفي كل مرة كانوا يبقون ما بين عامين وثلاثة.

حصار الأطباء

جلوريا فرناندس، الموظفة في مؤسسة الخدمات الطبية الكوبية بهافانا كانت حدثتني عن مستوى الخدمات الطبية المتطور الذي تقدمه كوبا للدول الأخرى عبر إيفاد أطبائها للاستفادة من خبراتهم في أكثر من ستين دولة في العالم، حيث تكون العقود بين الدول، أما الأطباء الكوبيون فتبقى رواتبهم متواضعة كباقي موظفي الدولة.

واستوقفتني لفظة "تطور" في الأساليب الطبية، إذ من الصعب أن تقحم هذه الكلمة في ظل الحصار الاقتصادي الذي عانت منه كوبا على مدى سنوات طوال، فكان جوابها أن الدولة تحدّث الأجهزة والمعدات الطبية بمساعدة مهندسين صناعيين، وأحيانا يصنعون قطع غيار للمعدات الطبية أو يشترون الآلات والمعدات من أوروبا والصين واليابان بكلفة عالية، أما الآن فهي متفائلة بأن الحصول على المعدات سيكون أسهل وأقل كلفة حين يتم الشراء من الولايات المتحدة، لأن تكاليف النقل من أوروبا والصين مرتفعة جدا.

تابعت الموظفة بحماسة الحديث عن التطور الطبي في كوبا والذي جعلها من الدول المنتجة للأمصال والتطعيمات -كمطعوم ضد سرطان الرئة- التي تبيعها كوبا للعديد من دول أميركا اللاتينية، كما حقق مستوى تدريس الطب فيها خطوات متقدمة جعلت الكثير من الدول ترسل طلابها للدراسة فيها، ليحقق الطب بجدارة المركز الأول للدخل القومي في الجزيرة.

ومن خلال جلوريا فرناندس عرفت أن تبادل الخبرات الطبية موجود وحاضر أساسا بين كوبا والولايات المتحدة، فالأطباء من كلا الجانبين كانوا يحضرون المؤتمرات الطبية في البلدين، وإن كان الانتقال يتم عن طريق بلد ثالث.

الطب أولوية الثورة

وبالعودة إلى الطبيب كاريو فقد عزا المستوى الطبي المتطور الذي بلغته بلاده إلى الثورة التي وضعت نصب أعينها تحسين الخدمات الطبية لجميع المواطنين، بحيث تكون مجانية وذات جودة عالية. ولو تتبعنا خطوات الطبيب في كوبا لوجدنا أن الواسطة والمحسوبيات في هذا المجال تكاد تكون معدومة، فلا يتابع الدراسة إلا الأكفاء، ثم إن التعليم المجاني للطب -وهو تخصص مرتفع الثمن في البلدان الأخرى- مهد السبيل أمام الراغبين في دراسته بغض النظر عن مستواهم المادي.

في سنوات الثورة الأولى هاجر الكثير من المتعلمين والأطباء إلى الولايات المتحدة، وقد استغلت الدولة من بقي منهم لتدريس كفاءات أخرى ونجحت في ذلك، فلم تستقدم أطباء من جنسيات أخرى، بل حققت ما وصلت إليه بجهود أبنائها. وذلك التطور الطبي تبعه تطور آخر -كما يقول كاريو- في معامل الأدوية، فكوبا تستورد المواد الخام كالنباتات الطبية والأعشاب من دول أخرى، أو تزرعها ثم تصنعها في معاملها، ليكون الدواء منخفض الثمن فيها، ثم يتم بيعه للدول الأخرى مما يشكل موردا اقتصاديا هاما.

وإذا كانت شواطئ كوبا ومدنها تشكل عامل جذب للسياح، فإن مراكزها الصحية ومستشفياتها هي عامل جذب للمرضى الذين يقصدونها من كثير من الدول وخصوصا من أميركا اللاتينية لثقتهم بقدراتها الطبية، رغم ظروف الحصار الصعبة التي واجهتها. ويذكر كاريو في هذا المجال، المركز الصحي لأمراض القلب في سانتا كلارا الذي يعد من أفضل المراكز الصحية على مستوى العالم.

أما على المستوى الداخلي، فقد جعلت الثورة لكل 120 عائلة طبيبا خاصا من مهامه أن يتفقد العائلات المسجلة باسمه بشكل دوري، كما خصصت الدولة برامج للطفولة والأمومة والمسنين، وهذا يعني أن على الطبيب أن يتأكد بنفسه من أن الأطفال -مثلا- قد أخذوا تطعيماتهم بانتظام. كما أن عليه إجراء فحوص شاملة للأفراد المسؤول عنهم، لكون الجزيرة على مستوى البحر وأفرادها معرضون أكثر من غيرهم للأمراض.

لم يكن دافيد يبالغ في أي شيء مما قاله، فهو لم يذكر إلا ما تحض عليه القوانين الصحية الكوبية وما هو واقع، لكن الأمر يختلف إن عرضناه على الناس.

ماجدلينا -جارته الأربعينية- لا تعارض كلامه من الناحية النظرية أبدا، لكنها تعقب قائلة "صحيح أن الدواء منخفض السعر، لكن علينا أن ننتظر وصول المضادات الحيوية منذ ساعات الفجر الأولى لأن الصيدلية تخلو منها، أما سيارة الإسعاف فتصل بعد فترة متأخرة من الاتصال بها، أي بعد أن يكون المريض قد شارف على الموت".

تدقيق/ الفضيل بن السعيد

×