غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

كولومبيا.. "إسرائيل" أميركا اللاتينية

ملف كولومبيا 2016
كولومبيا.. "إسرائيل" أميركا اللاتينية

بناء على كثير من سلوكياتها، سمّاها الكثيرون "إسرائيل أميركا اللاتينية". إنها كولومبيا، البلد الجنوب أميركي الذي لم يزل اليمين فيه متربعا على عرش حكوماتها منذ زمن. وبحسب الصحفي الكولومبي والأستاذ الجامعي المتخصص بشؤون الشرق الأوسط فيكتور كورّيا لوغو فإنه وحتى فترة قصيرة كان ما نسبته 50% من المعاملات التجارية الخاصة بوزارة الدفاع الكولومبية بأيدي إسرائيليين. والبنادق التي يستخدمها الجيش الكولومبي هي بنادق "الجليل" الإسرائيلية الصنع، وحصلت كولومبيا مؤخرا على وكالة تصنيع هذا السلاح وأصبحت تبيعه لإسرائيل نفسها. والتعاون العسكري أيضا شمل تدريب قادة في الجيش الإسرائيلي لمجموعات من الجيش الكولومبي، بحسب كوريا لوغو.

وفي مقاله في صحيفة "إسبيكتاذور" الكولومبية بتاريخ 5 أغسطس/آب 2014، سجّل كورّيا لوغو اعتراضا على استخدام الصفحة الرسمية لـ"الصهيونية في كولومبيا" شعار وزارة الخارجية الكولومبية، إذ لا يجوز أن تستخدم "صفحة خاصة" شعار المؤسسة الحكومية، إلا أنه يقول إن الصفحة لم تقدم على فعل ذلك إلا بسبب تقارب العلاقات الرسمية بين حكومة بلاده والصهيونية. وبسبب النفوذ الصهيوني الواسع، فقد تعرض لوغو كوريا نفسه أكثر من مرة لمضايقات خلال عمله بجامعة "لا هافيريانا" بسبب مقالاته في صحيفة "إسبيكتاذور" ذات التوجه اليساري.

رؤساء كولومبيا.. سفراء بواشنطن

هناك سيطرة إدارية أيضا من قبل الولايات المتحدة على كولومبيا، وعند تلك العبارة يبتسم كوريا لوغو منتقدا سياسة بلده قائلا "كولومبيا ذات توجه يميني متطرف حتى إنها صوتت ضد السلام. بينما تتجلى سيطرة الولايات المتحدة على كولومبيا في أنه -ضمنيا- كان معظم المرشحين للرئاسة في كولومبيا سفراء سابقين في واشنطن. هذا المتطلب ليس قانونا لكنه واقع لا يمكن إنكاره. السياسيون متأثرون بالعقلية الأميركية ومؤيدون لكل ما يأتي من الولايات المتحدة"، لدرجة أن كورّيا لوغو يقول إنهم "أقرب للولايات المتحدة منهم لأوطانهم".

وخلال الحرب الأميركية في العراق عام 2003، خرج الرئيس الكولومبي السابق ألبارو أوريبي بتصريح يقول فيه "نأمل أن ينتهي الجنود الأميركيون من مهمتهم في العراق ليأتوا إلى كولومبيا لمساعدتنا في حربنا (ضد الفارك)".

وخلال حرب المالفيناس عام 1982 بين الأرجنتين وإنجلترا، وقفت معظم دول أميركا الجنوبية مع الأرجنتين إلا كولومبيا. وخلال الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة، وقفت كولومبيا -كالعادة- مع الأخيرة.

هذا الالتصاق من الجانب الكولومبي بالسياسة الأميركية، يفسر وقوفها الدائم إلى جانب إسرائيل حتى إنها لم تعط صوتها للاعتراف بالدولة الفلسطينية عام 2011، بل إن علي نوفل -أحد أفراد الجالية الفلسطينية ببوغوتا- أخبرنا أن الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس لم يكن في استقبال نظيره الفلسطيني محمود عباس حينما زار الأخير كولومبيا في السنة ذاتها، الأمر الذي أزعج الجالية الفلسطينية، التي ورغم عدم تأييدها المطلق لسياسات السلطة الفلسطينية فإنها اعتبرت ذلك إهانة لفلسطين ممثلة في رئيسها.

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2011، صار "العربي المسلم هو الإرهابي" العلّاقة التي يستخدمها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش للحرب على العراق، تبناها الرئيس الكولومبي الأسبق ألبارو أوريبي وطبقها في بلاده مستبدلا محاربي الفارك بالفلسطينيين، فأخرج النزاع الدائر ببلاده من السياق التاريخي وبرّره بالحرب على الإرهاب.

وكما تروج إسرائيل للعالم فكرة اليهودي الضحية -التي تجد لها أرضا خصبة في كولومبيا- فأوريبي ينسخ السياسة الصهيونية ذاتها في تعامله مع المتمردين في بلده، خصوصا أن ما يجري في كولومبيا مشابه لما يحدث في فلسطين من سرقة أراضي الفلاحين وتهجيرهم منها.

وفضلا عن اشتراك الرواية الصهيونية مع الرواية الرسمية الكولومبية، فإن معظم الرؤساء الكولومبيين هم من طبقة اجتماعية عليا (على المستوى المادي). أوريبي نفسه هو سليل ملّاك (اقطاعيي) الأراضي في كولومبيا، وسانتوس هو حفيد رئيس كولومبي سابق.

فضائح مسكوت عنها

خلال لقائي بعدد من الأكاديميين الكولومبيين، لاحظت أن معرفتهم بعلاقة بلادهم بدولة الاحتلال الإسرائيلي محدودة. كوريا لوغو، أوضح لي أن الكولومبيين لا يعرفون الكثير عن تلك العلاقة، والقليل الذي يعرفونه ليس صحيحا. أما أفراد الأحزاب اليسارية فهم أكثر دراية وخبرة بتلك العلاقة، إضافة للعرب وذوي الأصول العربية، وبلا شك حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل "بي دي أس".

الصحفي الكولومبي أنطونيو موراليس الذي كان محاربا سابقا في حركة "أم-19" التي هجرت السلاح منذ مدة، قال إن طائرات الجيش الكولومبي "كفير" تأتي من إسرائيل، وقد وافق كوريا لوغو في كل ما قال، إلا أنه أضاف أن "كولومبيا تتغاضى عن جرائم الصهاينة على الأرض الكولومبية نفسها، فالإسرائيلي يائير كلاين درب عناصر من القوات شبه العسكرية، وكان تاجر مخدرات ولم يدخل كولومبيا إلا بتسهيلات من حكومتها".

وتحدث كوريا لوغو عن فضيحة أخرى في بلدة تاغانغا بمدينة سانتا مارتا، إذ كانت عصابات إسرائيلية تعمل في تهريب المخدرات والاستغلال الجنسي للأطفال والدعارة، بل تستخدم الأسلحة بحرية كاملة.

ويؤكد موراليس أيضا على دور الكنيسة البروتستانتية (الإنجيليكية) القادمة من الولايات المتحدة والداعمة لفكرة أرض الميعاد والمدعومة في الوقت ذاته على المستوى المادي. فهي تقدم خدمات اجتماعية لمعتنقي المذهب الإنجيليكي، رغم أن على أعضائها دفع 10% من رواتبهم لها. وبات عدد أتباع هذه الكنيسة يوازي أتباع الكنيسة الكاثوليكية التي نعتها موراليس بأنها "فاسدة".

وبشكل عام، فقد ارتبطت القضية الفلسطينية باليسار في أميركا اللاتينية، فلا عجب أن تتخذ حكومة كولومبيا اليمينية موقفا ضد الحق الفلسطيني ومؤيدا لإسرائيل التي تربطها بكولومبيا علاقات اقتصادية قوية.

جدير بالذكر أن حركة المقاطعة الدولية لإسرائيل بكولومبيا (BDS) قد تشكلت على أيدي مجموعة من الشباب الكولومبي المؤيد لفلسطين، إضافة لشباب من أصول فلسطينية مثل سعيد خميس توبار الذي أخبرنا أن تفاعل الجالية العربية مع الحركة ليس بالمستوى المطلوب.

وحينما طرحنا تعليق توبار على علي نوفل، التاجر الفلسطيني ببوغوتا، أبدى أسفه أنهم مضطرون في الغالب للتعامل مع التجار اليهود، وإن كانوا يعلمون أنهم صهاينة، فالاستثمارات بأيديهم وهم متحكمون بالسوق ويجد العربي نفسه مضطرا لشراء بضائعه منهم.

×