غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

بانوراما الصراع.. الحرب والسلام وما بينهما

ملف كولومبيا 2016
بانوراما الصراع.. الحرب والسلام وما بينهما

قبل ذهابي لكولومبيا، كنت قد سألت معارفي من الصحفيين إن كان بالإمكان اللقاء بأحد أعضاء الفارك في عاصمتها بوغوتا، ولم أكن أعرف أن مطلبي هذا ضرب من الخيال، فأعضاء القوات المسلحة الثورية الكولومبية المعروفة بـ"الفارك" متمركزون في أرياف كولومبيا، ولا يمكن لهم بحال من الأحوال الوجود علنا في المدن.

وحين وصلت العاصمة الكولومبية وخلال حديثي مع عدد من الكولومبيين عن النزاع الدائر في بلادهم منذ أكثر من خمسين عاما بين تلك القوات والقوات الحكومية، لاحظت أنهم يتحدثون عن الفارك وكأن أعضاءها من عالم آخر. تلك جزئية صغيرة تفسر الفجوة الكبيرة بين سكان المدن والريف في كولومبيا، وخصوصا أن حركة الفارك أصلا كان هدفها إيقاف أطماع ملّاك الأراضي الإقطاعيين من السيطرة على أراضي الفلاحين.

كنت قد شاهدت كثيرا من الوثائقيات والبرامج عن النزاع المسلح في كولومبيا، حيث تمكنت بعض وسائل الإعلام من الوصول للمناطق التي تسيطر عليها حركة الفارك، والأمر ليس صعبا، فالصحفيون ليسوا هدفا لأي طرف من الأطراف. احتوت تلك الوثائقيات على لقاءات مع أفراد من الفارك كانوا يتحدثون عن تهميش الدولة لهم، وبدت المناطق التي يعيشون بها غاية في الفقر.

أستاذة العلوم السياسية في جامعة "أنديز" ببوغوتا، أنخيليكا بيتبيرغ قالت إن القادة فقط في حركة الفارك هم متعلمون، أما البقية فبالكاد يعرفون القراءة والكتابة. وحين وجهت تلك الملاحظة للأستاذ في الجامعة الوطنية ببوغوتا والصحفي في "إسبيكتاذور" فيكتور كوريا لوغو علق على كلام بيتبيرغ بأن قلة التعليم في الأرياف لم تكن بسبب الفارك بل بسبب سياسات الحكومة التهميشية لتلك المناطق.

بوغوتا ظهرت على شكل مغاير تماما لتلك الوثائقيات التي كنت قد شاهدتها عن الريف الكولومبي، وقد أكد لي من تحدثت إليهم أن هذا صحيح وأن الفجوة جد كبيرة بين الأرياف والمدن الكولومبية. مع هذا، فأنا لم أر سوى الوجه الجميل لتلك المدينة. أما أستاذ الفلسفة سانتياغو إسبينوسا فقد أخبرني أن "بوغوتا نفسها بها أحياء تصل نسبة الفقر فيها لما تحت الصفر".

صحيح أن النزاع المسلح زاد من تلك الفجوة لكنها كانت السبب وليس النتيجة، وما جاء لاحقا من تبعات للنزاع في مناطق الأرياف كانت نتائج وليست أسبابا. ولعل أبرز تلك النتائج تجارة الكوكايين التي استفادت منها جميع الأطراف دون استثناء.

ويقول الأستاذ بجامعة "أنديز" ببوغوتا أليخاندرو كاستييخو إن "الكوكايين يُزرع في كثير من الأراضي التي تسيطر عليها حركة الفارك، الفلاحون يفضلون زراعة نبات الكوكا على زراعة البطاطا مثلا، لأن المردود المالي من زراعة الكوكا أكثر".

في حين تعمد حركة الفارك -لضمان تمويل حربها ضد الحكومة- لفرض ضريبة على مزارعي الكوكا مقابل حماية أراضيهم، بل تأمين الطرق لخروجها وتسليمها لأطراف أخرى بهدف تصنيعها وتحويلها لكوكايين.

أما الأطراف الأخرى التي تتاجر بالكوكايين فيما بعد فهم تجار معروفون وسياسيون وأعضاء في القوات شبه العسكرية (باراميليتار). ورغم انتقاد كورِّيا لوغو لحركة الفارك وتأكيده أنها ارتكبت أخطاء جسيمة رغم مشروعية تمرّدها في البداية، يقول إن "زراعة الكوكا ليست ممنوعة، الممنوع هو تصنيعها لكوكايين والمتاجرة بها، وهو ما تقوم به أطراف أخرى". من جانبه رفض خورخي إلياسر من مدينة ميديين -التي فازت فيها الـ"لا"- طرح كوريا لوغو، وأصرّ على أن "الفارك هي المسؤولة عن تجارة المخدرات في البلاد".

أهداف مزيفة

باتت جغرافيا كولومبيا منقسمة بين مناطق تسيطر عليها الحكومة، وأخرى تسيطر عليها حركة الفارك، وثالثة تسيطر عليها القوات شبه العسكرية بعد نزاعها مع حركة الفارك. الأمر الذي أسقط كثيرا من القوانين وفرض قوانين القوى المسيطرة، وعرّض أهالي المناطق لمزاجيتهم، فكان الفلاحون والطبقات الفقيرة كالسكان الأصليين أكثر من دفع الثمن.

في هذا الصدد، لا بد من الحديث عن فضيحة "الهدف المزيف" (Falso Positivo)، فقد اعتادت القوات العسكرية وشبه العسكرية على تسمية القتيل من الفارك بـ"إيجابي" (Positivo). وفي عام 2008 وبعد اختفاء عدد من المفقودين وكثرة البلاغات عنهم ومنهم فلاحون بسطاء وفقراء ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، ممن ليس لهم أي علاقة بالفارك، أسفرت التحقيقات عن أن القوات شبه العسكرية كانت تقتل هؤلاء وتُلبسهم ملابس محاربي الفارك لقاء مكافآت مالية، ولتسجيل زيادة في أعداد قتلى الفارك للإعلان عن ذلك رسميا، فأطلقت الصحافة على هؤلاء القتلى اسم "هدف مزيف". تشكلت بعد ذلك مجموعة حقوقية للمطالبة بمعاقبة الفاعلين، معظمها من أمهات الضحايا مثل حركة "أمهات سوشوا" حيث فقدت تلك البلدة (سوشوا) لوحدها 11 ضحية.

لطالما كانت الطبقات الفقيرة والفلاحون ضحايا ذلك النزاع، فهو أولا وأخيرا كان من أجل الأرض. الكثير منهم هجّر من أرضه ليصل عدد النازحين لستة ملايين، بينهم مجموعات من السكان الأصليين أو ذوي الأصول الأفريقية، بل تم اكتشاف وجود قبائل من السكان الأصليين كلما تغلغل المحاربون أكثر في أدغال كولومبيا.

كما ازدهرت المتاجرة بالبشر خلال فترة النزاع، وتعرضت كثير من النساء للاغتصاب وللإجبار على العمل ومرافقة الرجال من محاربي الفارك أو القوات العسكرية وشبه العسكرية. الشاذون جنسيا أيضا لم يسلموا من القتل والاغتصاب من جميع أطراف النزاع.

أطفال دون الرابعة عشرة من العمر تسوقهم الفارك قسرا إلى الحرب، رغم أن البعض انضم للفارك بكامل إرادته بسبب الظروف الصعبة التي عانى منها، أو للانتقام من القوات الحكومية. وحاليا تحاول منظمات حقوقية عالمية مثل منظمة "وومانز لينك وورد وايلد" (Women’s Link World wide) -التي تعنى بحقوق المرأة- التواصل مع ضحايا النزاع وخصوصا الضحايا النساء اللاتي كنّ أكثر من عانى من تلك الحرب، والأهم من ذلك دفعهن للتصريح عن الانتهاكات التي مورست بحقهن.

مخاوف ما بعد النزاع

ثمة بعض التخوفات التي تطرح نفسها للسيناريو المرسوم ما بعد النزاع (Post Conflicto) تتعلق بالمناطق التي سيتركها محاربو الفارك. فمعظمها أراض مزروعة بنبات الكوكا الذي يصنع منه الكوكايين. وبما أن حركة الفارك ستنسحب من تلك المناطق، وقد تعهدت -حسب بنود اتفاق السلام- بعدم التعاون مطلقا مع تجارة المخدرات، فإن ذلك سيولد فراغا يتردد القول إنه ستملؤه (أي الفراغ) العصابات الإجرامية.

ففي كولومبيا الآن مجموعات صغيرة تتاجر بالمخدرات واختفت العصابات الكبيرة وخصوصا بعد مقتل زعيم عصابة ميديين بابلو إسكوبار. وبينما تستبعد أنخيليكا بيتبيرغ أن يتضخم نفوذ تلك العصابات الصغيرة، يعتقد آخرون أن عليهم الاستعداد لكافة الاحتمالات.

×