غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من كولومبيا

سيمون بوليفار عاشقا في بوغوتا

ملف كولومبيا 2016
سيمون بوليفار عاشقا في بوغوتا

يقال إن أهدأ أيام الثائر سيمون بوليفار كانت تلك التي قضاها في بيت ريفي في بوغوتا يدعى "كينتا بوليفار" أو بيت بوليفار الريفي، وكان قد دخله أول مرة في الأول من ديسمبر/كانون الأول عام 1828.

صحيح أن بوغوتا لم تخل من أعدائه أيضا، لكن ذلك البيت عرف بأنه مقرّ حفلات واجتماعات، والأهم من ذلك أنه سكنه مع حبيبته مانويلا ساينس ذات الشعر الأسود والعينين السوداوين ابنة الـ27 عاما.

كان بوليفار ومانويلا قد تعارفا في كيتو بالإكوادور، وحينما انتقل إلى بوغوتا تبعته، وكانت هي من خفف عنه اللحظات القاسية التي كان مر بها في تلك الفترة، والتي لم تتوقف حتى وفاته عام 1830.

أنقذته مانويلا من محاولتي اغتيال، إحداهما كانت في حفل الأقنعة في مسرح كوليسيو، والأخرى في قصر سان كارلوس ببوغوتا، وربما يعبر الزائر شوارع بوغوتا ويمر بنافذة مميزة ولا ينتبه لها وقد أصبحت جزءا من الماضي، لكنها بالتأكيد غيرت مسار قارة بأكملها.

حينما هاجم معارضون لـ"كولومبيا العظمى" بوليفار ليلة 25 سبتمبر/أيلول 1828 في قصر سان كارلوس الذي كان يبيت فيه تلك الليلة، كانت مانويلا من أيقظته من نومه ونصحته بالهرب من النافذة لا الخروج من الباب، وكانت هي من واجه المتآمرين في تلك الحادثة التي عرفت بـ"مؤامرة سبتمبر".

شكّل بوليفار ومانويلا ثنائيا عاطفيا لم تحوله المعارك والحروب والسياسة عن اهتماماته العاطفية، فقد كان حبهما واضحا تماما ككفاحهما، ففضلا عن تاريخ بوليفار المعروف في تحرير أميركا اللاتينية، شاركت مانويلا عام 1822 في معركة بيشينشا التي استقلّت بعدها الإكوادور، كما كانت تحت قيادة ماريسكال أنطونيو خوسيه دي سوكري في معركة أياكوتشو عام 1824.

بيد أن ذلك العشق لم يكن عشقا كلاسيكيا كروايات القرون الوسطى، فقد عُرف عن بوليفار ضعفه أمام النساء، الأمر الذي أبعد عنه فكرة المثالية وقرّبه للإنسانية كما يرى كثيرون، وكانت حياة بوليفار مليئة بالأسماء النسائية، لكن امرأتين عُرفتا بقربهما الشديد منه إحداهما مانويلا ساينس والأخرى ماريا تيريسا.

مزهرية قصمت ظهر الإسبان

رغم أن بوليفار وُلد لأبوين إسبانيين إلا أنه لم يكن إسبانيا تماما، بل كان من "الكريول" وهم أبناء الإسبان المولودون في أميركا اللاتينية، حيث كانوا مهمشين من الملكية الإسبانية، فالمناصب والحظوات كانت تمنح للإسبان، بينما يُعامل الكريول بدونية، وهناك حكاية تدل على ذلك كانت هي الشرارة في تحرير كولومبيا. إنها "المزهرية" التي قصمت ظهر "الإسبان".

ففي يوم من أيام يوليو/تموز 1810 رفض التاجر الإسباني خوسيه يورينتي ببلاسا مايور ببوغوتا إعارة مزهرية للكريول لويس دي روبيو الذي أراد الأخير استخدامها لأمر ما، انتهز دي روبيو الفرصة وأبدى انزعاجه من تعامل الإسبان الفوقي مع الكريول، واتهم يورينتي بشتم الكريول الذين وقفوا إلى جانب دي روبيو، فاجتمعوا وتعالت أصوات احتجاجاتهم.

حاول رئيس بلدية بوغوتا تهدئة الناس لكن بلا طائل، فاقترح الكريول خوسيه أسيبيدو عقد اجتماع حكومي مع الكريول يترأسه الحاكم، فاعترض الناس على تدخل الحاكم نفسه وشكلوا مجلسا إداريا مفتوحا واعتقلوا الحاكم وأعضاء من الديوان الملكي، يقال إن افتعال ذلك الشجار كان مخططا له من قبل الكريول لبدء انتفاضة شعبية، وتشكيل مجلس حكومي قبل أن تتحرر كولومبيا على يد بوليفار. ربما يفسر هذا "لاتينية" بوليفار أكثر من "إسبانيته".

بعيدا عن التصنيف

تحتفي أميركا اللاتينية ببوليفار البطل الذي كان يشبه القارة حتى في شكلها، لقد كان قصير القامة وأسمر البشرة كسكان تلك البلاد الذين أصبحوا خليطا من السكان الأصليين والأوروبيين، محبا للحياة، كاتبا أحيانا وعاشقا أحيانا أخرى، ولا تكاد تخلو مدينة في كولومبيا من ميدان يحمل اسمه، بل لقد تنازعت دول "كولومبيا العظمى" لاقتسام جثته.

بوليفار في كولومبيا هو الرمز الذي اتفق عليه اليمين واليسار الكولومبي -كما يقول أستاذ الأدب الإسباني خوان فيليبي روبليذو- وهو يمثل كل تناقضات القارة اللاتينية، فإلى جانب ما ذكر سابقا كان بوليفار دكتاتوريا عسكريا مستبدا، وحين طلبت الموسوعة البريطانية من كارل ماركس الكتابة عن سيمون بوليفار نعته بالـ"متوحش".

لم يعد بوليفار بالناس للماضي –بحسب روبليذو- بل قادهم إلى الجديد والمستقبل، وكان يعتقد أن بإمكانه خلق حضارة جديدة.

في المقابل، لا تحتفي بعض المدن الكولومبية -وخاصة الواقعة في الجنوب مثل مدينة باستو- ببوليفار وتعتبر أنه كان ديكتاتوريا ألحق بأهلها ظلما ما زالوا يعانونه حتى الآن، وذلك حينما أقر ببعض القرارات القضائية المتعلقة بتمليك الأراضي التي منحها لفئات معينة وحرم منها آخرين.

بوليفار ليس الشخصية اللاتينية الوحيدة المستعصية على الفهم، فهذه القارة التي خاضت أحداثا استثنائية تجعل المطلع على أسرارها عاجزا عن التصنيف.

×