"متحفظون جدا" هكذا تقول الكاتبة المكسيكية أمبر باست ذات الأصول الأميركية والتي أقامت أربعين عاما في مدينة "سان كريستوبال" التابعة لولاية تشياباس جنوب المكسيك. كانت تعني بحديثها السكانَ الأصليين من أهالي تلك المدينة والبلدات المحيطة بها، و"يتقاتلون على الدوام فيما بينهم"، وتستدرك: بيد أنه لا يمكن إنكار بساطتهم وبساطة عيشهم، وقدرتهم على التعامل مع الطبيعة والكون بطرائق ومنظورات مختلفة.
يعيش في سان كريستوبال ما يقارب الخمسة ملايين نسمة، الكثير منهم من السكان الأصليين وخصوصا من بلدتي "سان هوان تشامولا" و"سيناكانتان". ينتشرون في السوق الرئيسي للمدينة وفي الساحة أمام الكاتدرائية. النساء يبعن في الطريق الذرة والخضار والفاكهة، وداخل السوق يفترشن الأرض وينشرن مشغولاتهن اليدوية عليها، أو يضعنها على طاولات وفق إنتاجهن. وفي العادة، يعمل في المحل الواحد أفراد العائلة الواحدة.
يلاقي الغريب صدودا منهم وخصوصا في البداية، لهذا فقد كان عليّ أن أبتاع شيئا من مشغولاتهن اليدوية كي أتمكن من الحديث معهن، لكن الأمور جرت بشكل أفضل حينما استعنت براؤول، وهو من سكان مدينة سان كريستوبال دي لاس كاساس، والذي ينحدر من أب إسباني وأم من السكان الأصليين (مستيسو) ويتحدث بأكثر من لغة محلية.
على أطراف المدينة، تقع قريتا سان هوان تشامولا وسيناكانتان. ولكل قرية عادات وتقاليد خاصة بها بل وقوانين، في حين تُطبق قوانين المدينة على كل السكان إن وجدوا بها، بغض النظر عن منابتهم.
ماركوس غوميس، أصله من سان هوان تشامولا، لكن عائلته انتقلت للعيش في مدينة سان كريستوبال وهو صغير، بعد أن قُتل جده في بلدته سان هوان تشامولا، بسبب اعتناقه المذهب الإنجيليكي. فالناس في تلك البلدة يعتنقون الكاثوليكية، وحين يغير أحدهم دينه فعليه الخروج من البلدة والنزوح إلى المدينة. وفي ثمانينيات القرن الماضي، أُحرقت بيوت من تحول من الكاثوليكية للإنجيليكية، وقُتل من بقي ونزح كثيرون إلى المدينة.
يقول غوميس إن من يعيش في البلدة نفسها أفضل حالا من الذي يسكن المدينة، إذ أن متطلبات العيش تكثر في المدينة، وعلى السكان الالتزام بقوانين الولاية ودفع الضرائب، وابتياع الاحتياجات من السوق العادية، بينما سكان بلدتي سان هوان تشامولا وسيناكانتان ليسوا بحاجة لدفع إيجار سكن أو ضرائب أو حتى العمل، طالما يربون حيوانات يأكلون من لحومها وينتفعون من حليبها وأجبانها، ويأكلون مما تنتجه أراضيهم من ذرة وفاصولياء وغيرها. لذلك فالقول إن السكان الأصليين يعيشون حياة فقيرة في بلداتهم مغالطة، لكن الحال في المُدن يختلف، فهم فيها مهمشون وينظر لهم بدونية.
راؤول، الذي يعمل في قطاع السياحة، يقول إن سكان هاتين البلدتين معروفون بأوضاعهم الاجتماعية والمادية الجيدة، إذ أنهم مكتفون ذاتيا. وتتميز ملابس النساء والرجال عن بعضها البعض في كلتا القريتين، ويكلف صنعها حوالي ثلاثمئة دولار أميركي، في حين يبعن للسياح والزائرين ملابس بجودة أقل وسعر أرخص.
تحدثت مع إيريكا كريستيانا وروسا (لوشا بلغة التسوتسيل) وماريا (ماروتش بلغة التسوتسيل) وكن يجبن باقتضاب "نحن مسيحيات، نذهب للكنيسة الإنجيليكية، ولم نذهب للمدرسة الإعدادية. علينا أن نساعد العائلة في العمل. بعضنا يحضر المشغولات في المنزل، ونحن نبيعها وأحيانا نشارك في صنعها. نتحدث لغة التسوتسيل. ليس لدينا عادات وتقاليد مختلفة عن البقية".
الحكومة خارج الحدود
طالما أنك دخلت بلدة سان هوان تشامولا، فعليك الخضوع لقوانينها. لا شرطة في المكان، بل هناك رجال مدنيون يرتدون زيّا مميزا ويمسكون بعصا كرمز للسلطة، إن كانت في يد الرجل فقط، أما المرأة فحتى وإن اختيرت في انتخابات رسمية حكومية فلا سلطة لها داخل بلدتها.
المحاكمات تتم في ساحة المدينة التي تسمى توكلوم، وتعني "سرّة العالم" -وفق راؤول- ويُفصل بين النزاعات أيام الأحد بعد الظهيرة، وتطبق الأحكام. الدين الرسمي في البلدة هو الكاثوليكية، لكنها صورية فقط، فتقاليدهم فوق الحكومة وفوق الدين. فوق الحكومة فلا يُجبرون على دفع الضرائب، وفوق الكاثوليكية فلا يُقيَّد رجالهم بزوجة واحدة فقط بل لهم حق الزواج من أربع أو خمس نساء.
صلبان المايا
صلبان مرتفعة خضراء اللون منصوبة في طرقات البلدة، أحيانا قد يكون صليب واحد وأحيانا أخرى ثلاثة صلبان، هي تمثيل حي للمزيج الحاصل بين الكاثوليكية ودين المايا القديم. إذ يقال إن الإسبان تفاجؤوا حين رأوا ذلك الصليب في تلك البلدة.
تقول الأسطورة إن وجود الصليب أصله اعتقاد المايا أن النجوم اتخذت شكل الصليب في أول خلقها، أما وجود صلبان ثلاثة فهو من الاعتقاد بالثالوث المسيحي. مع هذا، فإن الصليب الأكبر بالنسبة لهم يرمز للشمس والأصغر يرمز للقمر. والصليب أيضا يرمز للجهات الأربع، وتُزين الصلبان بنبات الصنوبر، لما لتلك الشجرة في اعتقاد المايا من قدرات شفائية، وعادة ما تكون ألوان تلك الصلبان فيروزية لأنها تمثل شجرة الحياة، ويدا الصليب يمثلان الكونان، الساق يمثل الحياة والجذور الآخرة، والشجرة تمثل الجنة والتطهير والآخرة، مزيج يعتقد السكان الأصليون أنه يشكل حماية ذاتية لهم.
البيوت الكاليفورنيانية
في طرقاتهم ستسمع الكثير من اللغات، لكن اللغة المشتركة هي القشتالية أو التي يختصرونها بالقول الـ "كاستيا". ولأنهم -كما هو شائع عنهم- يتمتعون بقدرة مادية جيدة، فقد أصبحت بيوتهم حديثة على الأقل في شكلها الخارجي.
الكثير من سكان البلدة يهاجر للولايات المتحدة ويعود إلى سان كريستوبال لبناء بيت على طراز البناء في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ولهذا باتوا يسمون تلك البيوت بالكاليفورنيانية. يقول راؤول إن بيوتهم القديمة أثبتت أنها أكثر مقاومة للزلازل.
في سيناكانتان، زرت إحدى العائلات برفقة راؤول، كانت الذرة بألوان عدة من تدرجات الأصفر والأحمر على لوح خشبي في المطبخ وموضوعة على شكل صليب يمثل الجهات الأربع. لا يوجد غاز في المطبخ بل تجهز التورتيا (خبز الذرة) على الحطب بواسطة إحدى نساء البيت بينما تتوزع باقي المهام على أخريات.
كنت قد سألت راؤول عن سبب عدم إكمال الكثير منهم للدراسة الثانوية على الأقل، وفي بيت تلك العائلة قال لي مشيرا إلى فتاة في الـ 14 من العمر، اسأليها، فقالت "أفضِّل مساعدة أهلي في التطريز" فعلّق راؤول "الدراسة لا تعني أنك ستحظى هنا بحياة أفضل".
بفضول مصحوب بتشجيع من راؤول، مددت بصري نحو حجرات البيت المفتوح على ساحة خارجية مرئية للجميع، وبها تعمل نساء تلك العائلة في تطريز مفارش الطاولات والشالات النسائية والأحزمة، وغيرها باستخدام "النول" أو تطرَّز يدويا. ومن بين تلك الملابس التي رأيتها كان هناك ثوب مطرز مزين بالريش، فقال راؤول "هذا ثوب ترتديه الفتاة في حفل زواجها، والريش يرمز للخصوبة".
وتساءلت بدوري عن علاقة ذلك بما كنت قرأته سابقا عن كيفية حمل الآلهة "كواتليكوي" التي تعني "ذات تنورة الثعبان" بإله الحرب "ويتسيلوبوتشتلي" إذ حملت به بعد أن سقطت على صدرها من السماء كرةٌ من الريش.
لم ألحظ في البيت الكثير من الأثاث، طاولة في زاوية حجرة عليها شموع وصليب استعدادا لاستقبال يوم الأموات، فرش بسيط، ومن الملابس المنشورة لم أر ملابس مختلفة عن التي ترتديها النساء. سألتهن مباشرة "ألا ترتدين بيجامات للنوم"؟ فأجبن "لا، ننام بملابسنا هذه، نرخي أحزمتنا وننام وفي اليوم التالي نستحم ونستبدلها بأخرى".
بعد أن ابتعدنا عن بيتهم، قال راؤول "هذه أحد أسباب صعوبة الزواج بين أهل بلدة سان هوان تشامولا وسيناكانتان. النساء في سان هوان تشامولا لا يرتدين ملابس للنوم، وحين يتزوج شخص من سان هوان تشامولا بامرأة من سيناكانتان فعلى أحدهما أن يخضع لتقاليد الآخر. فضلا عن ذلك، فتعدد الزوجات أمر اعتيادي في سان هوان تشامولا، بعكس سيناكانتان".










