ليست كأي مكان ديني رغم اسمها، "كنيسة سان هوان تشامولا"، ويسمونها معبدا كذلك، وهي للتسمية الثانية أقرب، رغم أنه قد أُشكل عليّ معرفة ما يُعبد تحديدا في تلك الكنيسة، للخلط الكبير الحاصل بين القليل من العناصر المسيحية والكثير من الطقوس الوثنية.
قوانين صارمة تمنع التصوير داخل ما يُفترض أنها كنيسة، فليست بها مقاعد للصلاة، ولم أرَ فيها راهبا أو كاهنا أو قسيسا.
تنتشر في الداخل رائحة البخور، وعلى الأرض أٌلقيت أوراق شجر الصنوبر وأشجار أخرى يعتقد السكان الأصليون بأنها طريقة للتواصل مع الرب. ويفترش أهالي البلدة الأرض في ذلك المعبد، وأفراد من العائلة الواحدة يعملون في معالجة الناس، ويتحلقون حول شموع وكؤوس، ويتمتمون صلوات بلغتهم، محتفظين بدجاجة أو ديك في صندوق كرتوني، سيستخدمونه لاحقا في العلاج.
يتوجب عليّ وصف المكان بدقة، لأن التصوير في هذا المكان "المقدس" ممنوع. سكان البلدة لا يتساهلون في أمر كهذا، فهذا الأدوات الصناعية (الكاميرا والهواتف) "تسرق الروح"، كما يقولون.
إن كنتُ سأضع انطباعا شخصيا غير محايد، فسأقول إنني شعرت بثقل في صدري في ذلك المكان، وأصابني دوار بسيط حين رأيت "مُعالِجة" تمسك ديكا بيديها، وتشد على عنقه ليختنق، بينما تركز نظرها في اتجاه آخر.
لا تقل شامان!
تماسكت أكثر من مرة كي لا تفلت مني كلمة "شامان" في هذا المعبد؛ فالشامان في ثقافة السكان الأصليين هو بمثابة الأب الروحي أو العراب، الذي يحضر الأحراز ويعود إليه السكان الأصليون للاستشارات، وتطهير الروح وتحضيرها للاستنساخ مع حيوان معين حسب تقويم المايا. كما أخبرني بيذرو تشابقخاي، وهو كاتب غواتيمالي يتردد على شامانه الخاص، ويعتبر ذلك جزءا من ثقافته القريبة من سكان مدينة سان كريستوبال المكسيكية، التي تبعد ساعات فقط عن حدود غواتيمالا.
بيد أن "شامان" في بلدة سان هوان تشامولا تعني "ساحرا"، فسألت "دومينغو غوميس"، الذي يعمل معالجا منذ أربعين عاما، بعد أن طلبت منه "تطهيري" خارج المعبد، عن الفرق بينه وبين الشامان، فقال "الشامان يمارس السحر الأسود، وأنا أمارس السحر الأبيض".
البيضة والدجاجة
أمسك غوميس نبات الريحان ومسح به جسدي، ومسحه مرة أخرى، مستخدما بيضة، وفي تلك الأثناء كان يؤدي الصلوات بلغته، ثم أشعل الشموع وصلى على الأرض وانحنى عليها أكثر من مرة، وطلب مني أن أقرب مشروبا كحوليا إلى أنفي حينما امتنعتُ عن شربه، وهكذا تطهّرت روحي، حسب قوله.
يستخدم المعالِجون البيضة لمسح جسد المريض، البيضة في ثقافتهم كائن حي بإمكانه إخراج المرض أو "الروح الشريرة" من جسد المريض. لكن ماذا لو لم يخرج المرض أو كان الأمر معقدا مع تلك الأرواح الشريرة؟ الحل يكمن في مقايضة الأرواح، يُمسح الجسد بديك لو كان المريض رجلا، وبدجاجة للأنثى. يمرّر الديك على الجسد فيهب الروح النقية لجسد المريض، ويأخذ روحه المريضة، ثم يُخنق في المعبد لقتل المرض ويُدفن في مكان بعيد، إذ لم يعد صالحا للعيش بعد مقايضة روحه.
لم أكن الوحيدة التي شعرت بانزعاج داخل المعبد قليل الإضاءة، كثير الضوضاء والبخور، فقد رأيت نساء يرتجفن فيه، ويبكين بصوت مرتفع. أمرٌ غريب يحيط المكان لا قدرة على تفسيره.
على جدار المعبد تماثيل لقديسين وقديسات يحملون مرايا على صدورهم، في إشارة إلى أن المرآة الحقيقية هي التي يحملها الإنسان في قلبه، فتعكس حقيقته، ولهذا يجدر به تطهير قلبه وروحه أولا، وهي أفضل طرق العلاج.
وإضافة إلى استخدام البيضة والديك، تُستخدم الشموع في تطهير الجسد، فكلُّ لون من ألوان الشموع يُساعد في تحسين أمر ما؛ اللون الأخضر بحسب المُعالِج غوميس، لتحسين العمل، والشموع الحمراء لتقوية الدم، والسوداء لمقاومة الحسد، والبيضاء لتحسين الرزق، والصفراء للسعادة في الحياة، وهكذا.
وفي آخر عملية التطهير، يشرب المريض شيئا من مشروب ترتفع نسبة الكحول فيه يدعى "البوش" (Pox)، يصنعه السكان الأصليون منذ فترة ما قبل الاستعمار الإسباني، ويتكون من الذرة وقصب السكر، ويرافق سكان تلك المناطق عادة في احتفالاتهم ومهرجاناتهم وعلاجهم.
مركز المايا للطب الشعبي
وفي مدينة سان كريستوبال، هناك مركز المايا للطب الشعبي، الذي يبيع الأعشاب الطبية لمختلف الأمراض وبه معالجون، التقيت أحدهم، وبالكاد فهمت منه بعض الكلمات، وفكرت حينها في كلام راؤول (أحد سكان سان كريستوبال)، إذ كان قد أخبرني أن المعالجين إما أنهم يتوارثون المهنة، أو أنّه تظهر في طفولتهم علامات جسدية، قد تكون عيوبا أو تشوهات، لكنها إشارة إلى العائلة بأن مهنة المستقبل لابنها أو لابنتها هي المُعالجة، حسب ثقافة المايا.
يقول راؤول إن مجموعة من الباحثين الألمان بحثوا هذا الأمر، ووصلوا لنتيجة مفادها بأن هذه العيوب الخلقية ناتجة عن تزاوج الأقارب الكثير، وليس كما يعتقد أهالي بلدة هوان تشامولا، بأنها علامات لمعرفة مستقبل الأبناء. والمعالجون قد يكونون رجالا ونساء على حد سواء.
الولادة على طريقة المايا
ما زالت الولادة بالطريقة التقليدية متبعة بين السكان الأصليين في مدينة سان كريستوبال، بل حتى تسجيل الولادات بتقويم المايا الذي يضم 13 شهرا، يتكون كل شهر من عشرين يوما، وهناك تقويم آخر يضم 16 شهرا.
ويقول راؤول إن المسنين من السكان الأصليين قد يبلغون مئة عام حسب تقويمهم، بينما هم أصغر من ذلك بالتقويم الميلادي. أما الآن فالتسجيل يتم رسميا حسب التقويم الميلادي، في حين تحتفظ بعض العائلات بتقويم المايا داخل نطاقها فقط، وهو تقويم مهم مرتبط بمواسم الزراعة التي يعتمد عليها سكان تلك المناطق.
وفي عملية الولادة، على الزوج أن يكون حاضرا، "ليس لتصوير العملية ونشرها على فيسبوك" -هكذا قال الموظف المسؤول في متحف المايا للطب الشعبي- بل لدوره (الزوج) المهم في الإمساك بزوجته عند الوضع.
البيضة والدجاجة تستخدمان أيضا بعد الولادة التي تقوم بها امرأة متخصصة من مجتمعهم، وهي مثل "القابلة" في الثقافة العربية. وبعد الولادة تستحم المرأة في حمام بخار وأعشاب تُسمى "التيماسكال".







