غدير أبو سنينة → العودة إلى التقارير
تقرير من المكسيك

في المكسيك من يُحيي العربية الفصحى؟

ملف المكسيك 2017
في المكسيك من يُحيي العربية الفصحى؟

بالإسبانية والعربية والسريانية، أقام الأب يعقوب البدوي قداسا بمناسبة احتفالية بلوغ فتاة من عائلة مكسيكية سن الـ 15، وهو تقليد متبع في المكسيك والقارة اللاتينية عموما. كان القداس في كنيسة "سيدة لبنان" بالعاصمة مكسيكو سيتي، لكن الاسم لا يعني أنها محصورة على الجالية المسيحية اللبنانية، بل مفتوحة لجميع المكسيكيين لإقامة قداسهم في مناسباتهم الخاصة (احتفالية الـ 15 عاما للفتيات مثلا).

الكورال الذي كان يغني في القداس من طلاب الأب يعقوب من المكسيكيين الذين علّمهم بنفسه اللغتين العربية والسريانية، لاستخدامهما في أناشيد قداس الكنيسة.

بعد لحظات من انتهاء القداس، دخل الأب بيته الملاصق للكنيسة حيث كنت أنتظره ريثما يغير ملابسه الدينية، فاللباس الديني محصور في أماكن العبادة، ويحظر على رجال الدين استخدامه خارجها، وفق دستور الدولة العلماني.

بعد لقائي به، دعاني للعشاء مع بقية "الخوارنة" وأصدقاء من الجالية اللبنانية، وكانت التبولة والحمص والخبز العربي حاضرة على المائدة بجانب التورتيّا المكسيكية.

العربية وأصولها

عام 1999، أرسلت مؤسسة الرهبنة اللبنانية الأب يعقوب للمكسيك ضمن "الرسالة" التي أنشأتها عام 1960، في حين أنهت بناء البيت التابع لها عام 1971. بعد أسبوع من وصوله وتردُّدٍ ما بين البقاء بالمكسيك أو العودة للبنان، انحاز للخيار الأول، وبدأ تعلم الإسبانية في جامعة "أونام".

علّقتُ على هذا بقولي إن لهجته اللبنانية تظهر بشكل طفيف في كلامه، فقال إن لبنان بالنسبة له كل شيء، فهو "لبو حنون" بالسريانية التي تعني "القلب الحنون" الذي لا يمكن التخلي عنه.

ولأن الكنيسة المارونية جزء من الكنيسة الكاثوليكية المنتشرة أصلا في المكسيك، فقد سألته عن سبب إرسال الرهبنة اللبنانية رهبانا لبنانيين للجالية، فقال إن السبب هو التواصل مع اللبنانيين أينما كانوا، وإحياء الحس الوطني فيهم، مستشهدا بقول الشاعر اللبناني سعيد عقل "حيثما كنا نبني لبنان".

وهكذا، عمل الأب يعقوب بمساعدة أفراد من الجالية على تعليم جوقة الكنيسة الألحان والأناشيد الكنسية السريانية وترجماتها للعربية والإسبانية، حيث يعطي دروسا في الموسيقى الكنسية والفولكلور اللبناني، واللغتين والعربية والسريانية. كما أنه درَّس العربية لطلاب جامعة "إيبيرو" في العاصمة.

قاطعته حين قال إنه يدرّس العربية "على أصولها" متسائلة عما يعنيه ذلك، فقال إن جزءا من الجالية اللبنانية يعلّم اللهجة اللبنانية، ولديهم كتب تعليمية وأقراص مدمجة لتعليم الطلاب، أما هو فيفضل تعليمهم العربية الفصحى بقواعدها، ليكونوا قادرين على قراءة وفهم أي نص عربي وكتابته، والقدرة على التواصل مع العرب من غير اللبنانيين أيضا.

أبعد من ذلك، فهو بصدد نشر منهاج خاص لتعليم العربية يراعي التقارب في مخارج الحروف بالعربية واللهجة المكسيكية.

الموسيقى تقرُّبا لله والوطن

الخلفية اللغوية والثقافية والموسيقية لدى الأب يعقوب جعلت نشاطه فيما يتعلق بتواصل الجالية اللبنانية مع وطنهم يتم عن طريق الجوقة، فهي "تقربهم لله وأيضا تقربهم للبنان، لأن الموسيقى عنصر أساسي للمحافظة على الوطنية والعودة للجذور. الموسيقى السريانية عمرها أكثر من 1600 سنة، ونترجم كلماتها للإسبانية والعربية مع اللحن والتقليد السرياني الماروني".

وتُقيم الجوقة احتفالاتها بتلك اللغات والألحان سنويا في "بلاسا لوريتو" قبل عيد الميلاد والجمعة العظيمة، والدخول متاح للجميع. وهذا العام، أقامت الكنيسة في أبريل/نيسان 2017 نشاطا بعنوان "لبنان بوتقة الحضارات" وضم معارض لرسامين ونحاتين لبنانيين، كما حضر موسيقيون من لبنان للعزف مع الجوقة كالموسيقي عماد مرقص.

مار شاربل مكسيكيا

قبل عام 1977، لم يكن للقديس اللبناني "مار شاربل" حضور في المكسيك. ومع انتقال ملكية كنيسة "بالبانيرا" من الإسبان للموارنة اللبنانيين، أصبح أيقونة ومقصدا لطالبي شفاعته من المكسيكيين واللبنانيين المؤمنين برسالته، على حد سواء.

يقول الأب يعقوب إن مار شربل ظاهرة غربية، ففي عام 1950 كان قد مضى خمسين عاما على وفاته، وحين فتحوا تابوته كان جسده سليما، ورشح منه دم ومياه، ومنذ ذلك الوقت يقصده المؤمنون الكاثوليك لطلب الشفاعة والاستشفاء.

وصلت كنيسة مار شربل وسط العاصمة صباحا، وكان القداس هذه المرة لتعميد طفل مكسيكي، على مدخل الكنيسة يبتاع الناس صور القديس، يحفظونها في محفظاتهم كحرز. يقصدون الكنيسة للاستشفاء وطلب الشفاعة، وبعد أن تتحقق أمانيهم يعلقون شريطا مكتوبا عليه ما تحقق من أمنيات بشفاعة القديس مار شربل.

أخبرتني "جوزيل"، وهي مهاجرة لبنانية، إن تلك عادة مكسيكية وليست لبنانية، ابتدعها المكسيك كنوع من العرفان والشكر، أما "قيصر عفيف"، وهو مهاجر لبناني يعمل في تصميم إطارات اللوحات الفنية وبيعها، فيقول إن أكثر المبيعات في متجره الواقع وسط مكسيكو سيتي هي للقديس مار شربل.

عربيان يتحدثان شعرا

عفيف مهاجر لبناني مقيم في المكسيك منذ أكثر من ثلاثين عاما، وقبل ذلك بكثير كان جده قد هاجر مع زوجته، وأقام في مدينة بويبلا حيث أنجب ثلاثة أبناء منهم والد عفيف.

دُفن الجد في بويبلا بينما كبر الأبناء في لبنان، بعد أن عادت بهم الجدة لموطنهم الأول، وكانت عودة عفيف للمكسيك بناء على وصية كان قد تركها عمٌّ له وكان عليه تنفيذها بنفسه، وحين أتم الأمر وأراد العودة للبنان اشتعلت الحرب الأهلية فقرر البقاء في المكسيك.

في متجر عفيف، كنت أقابل في كل مرة أزوره بها في مكتبه أصدقاءه من مكسيكيين أو عرب ومنهم لبنانيون، حتى مررت به في أحد الأيام فالتقيت يمنيا يهوديا من الجيل الرابع، كان يقرأ قصيدة من قصائده لعفيف بالعربية والإسبانية، حين دخلت المكتب. تمكنت من سماع جزء من القصيدة قبل أن يقول لي إنه لا يؤمن بالأعراق ولا يُمارس الدين اليهودي في عائلته، إلا من زاوية ثقافية وتاريخية، وهو ينحدر من "شبام" في اليمن، ولم يشأ أن أذكر اسمه في التقرير.

أُقيم منذ 13 عاما في أميركا اللاتينية وهذه المرة الأولى التي أقابل فيها عربيا من الجيل الرابع يتحدث لغته العربية التي قال إنها اللغة الأم في البيت، وكان يعني اللهجة اليمنية، أما العربية الفصحى فقد تعلمها في الكنيسة اللبنانية المارونية، كما أنه يتحدث العبرية.

اكتسب الرجل تلك الثقافة من الجد الأكبر الذي علّم العائلة "التفكير بالآخر" والقيم "اليمنية" المتعلقة بأخلاق احترام الآخرين، باعتبار البشر عائلة واحدة. كل ما يعرفه عن ظروف هجرة الجد الأكبر هو خروجه من اليمن ووصوله للدومينيكان، ثم استقراره في المكسيك، قبل إعلان الثورة المكسيكية عام 1910، حيث تؤكد عائلته أن العراب العربي "لإيميليانو زاباتا" كان جده، وفق قوله.

×