غدير أبو سنينة → العودة إلى النصوص المترجمة
هواكين باسوس
نصوص مترجمة · شعر

هواكين باسوس

نيكاراغوا
عمل فني تجريدي مرافق للقصيدة
عمل فنّي مرافق للقصيدة

أنشودة حرب الأشياء

(كُتبت القصيدة بعد الحرب العالمية الثانية)

عندما تصلون إلى شيخوختكم، ستحترمون الحجر،

هذا إن شِخْتم،

أو بقي حجرٌ ما.

سيحب أبناؤكم النحاس القديم،

والحديد المخلص.

ستستقبلون المعادن القديمة في أحضان عائلاتكم،

ستجربون الرصاص النبيل مع سلالة تنسجم مع طبيعته العذبة؛

ستستسيغون الزنك وستعطونه اسمًا لطيفًا؛

والبرونز معتبرينه أخًا للذهب،

فالذهب لم يذهب إلى الحرب من أجلكم،

بقي الذهب، من أجلكم، لاعبًا دور الطفل المدلل،

موشَّحًا بزيٍّ مخمليٍّ، محميًّا بالفولاذ الحساس.

عندما تشيخون، ستحترمون الذهب،

إن كنتم ستشيخون،

إن كان سيتبقى في الأصل شيء من الذهب.

الماء هو خلود الدم الوحيد.

قوته صارت دمًا. هواجسه صارت دمًا.

شوقه العنيف للريح والسماء صار دمًا.

غدًا سيقولون إنَّ الدم تحول إلى غبار،

غدًا ستجفُّ الدماء.

لا العرق، ولا الدموع ولا البول بإمكانهم أن يملأوا جوف القلب الفارغ.

غدًا سيحسدون مضخة المراحيض الهيدرولية

تلك التي تضخ حياة ثابتة لصنبور مياه،

سائلًا سميكًا.

سيتدبر النهر أمر الكلى المحطمة

وفي عمق الصحراء سَتَطْلُب العظام المصلوبة دون فائدة

أن تعود المياه إلى أجساد الناس.

أعطني محركًا أقوى من قلب رجل.

أعطني عقل آلة يمكنه أن يُثْقَبَ دون ألم.

أعطني جسدًا معدنيًا من الخارج، ومن الداخل جسدًا آخر معدنيًا أيضًا

كجندي الرصاص الذي لا يموت.

ولا يطلب منك إلهي ألّا تُذِلَّهُ مخلوقاتك،

كجندي مترهل اللحم، هو اعتزازنا الخجل،

الذي سيقدم نور عينيه من أجل نهارك،

ومن أجل معدنك سيستقبل رصاصة في صدره.

ومن أجل مائك، سيتحول دمه.

والذي يريد أن يصبح خنجرًا، لا يمكنه أن يجرح خنجرًا آخر.

كلس دمي هذا الممتزج بحياتي

سيكون كلس قبري الممتزج بموتي،

لأن المستقبل هنا ملتفٌّ بورق قصدير.

وحصص الناس على شكل توابيت صغيرة،

ورغبات البندقية تزداد شبقًا،

وعبر القرون، يكبر عشق الخنجر للّحم.

وبعدها، قولوا إن لم يكن موسم الرصاص وفيرًا،

إن لم تكن الحقول مزروعة بالحراب،

إن لم تنفجر البنادق في وقتها.

أخبرونا إن كان هناك خندق ما، حفرة ما، مخبأً ما

على ألا يكون عشًّا خصبًا لقنابل قوية؛

قولوا إن كان طوفان النيران السائلة هذا

ليس أجمل ولا أفظع من طوفان نوح،

دون أن يكون هناك سفينة من الفولاذ تُقاوم

ولا طائرة تعود بغصن زيتون!

أنتم، يا حكام الكريستال، ها هو زجاجكم المذاب.

بيوتكم البورسلانية، قطاراتكم التنكية،

دموعكم الملفوفة بورق السلوفان، قلوبكم المصنوعة من الباكليت،

أقدامكم المطاطية المثيرة للضحك،

ذابت كلها والتحقت بالمدعوة حرب الأشياء،

كما تذوب وتنجرف بحنق دعامات تمثالٍ فولاذية.

البحارون مُستثارون بعض الشيء.

أمرٌ ما يعكر صفو رحلتهم،

يطلون من حافة السفينة ويتفحَّصون الماء،

يطلون من البرج ويتفحَّصون الهواء.

لكن لا شيء.

لا أسماك، لا أمواج، لا نجوم، لا طيور.

— سيدي القبطان، إلى أين نحن ذاهبون؟

— سنعرف ذلك لاحقًا. عندما نكون قد وصلنا.

يود البحارة رفع المرساة، يريدون معرفة ما يجري.

لا شيء، هم مستثارون بعض الشيء.

فمياه البحر لها طعم أكثر مرارة،

وهواؤه يبدو ثقيلًا جدًا.

والسفينة لا تُبحر. بقيت هادئة في منتصف الرحلة.

يتساءل البحارة بأيديهم عما يحدث،

فقد فقدوا النطق،

لم يحدث شيء. إنهم مستثارون قليلا.

ولن يحدث شيء أبدا، لن يرفعوا المرساة.

لم يكن بالوسع سوى أن يبحثوا عنها في أوراق اللعب أو الكابالا.

كانت في جميع الرسائل، رسائل الحب وخطابات الإبحار.

كل الإشارات تحمل علامتها.

ترفع راياتها الخالية من الألوان، أشباح من الرايات

كي تُلَوَّن بدم الأشباح،

تطفو على الهواء فيبدو الهواء عائمًا.

تروح وتجيء، تروح وتجيء، تروح في الذهاب، كأنها تجيء.

تصعد ثم تهبط، وتقبل كل رجل وسط الحشود.

كانت تداعب الأشياء بأصابعها الناعمة المعجونة بالرخام.

عندما يمر الترام، تعبر هي الترام؛

وعندما تمر قاطرة، تمضي كي تجلس على القضيب.

كانت تمر من أمام زجاج الواجهات جميعًا،

على نهر الجسور جميعًا، وفوق نهر الجسور جميعها،

ومن سماء النوافذ كلها.

كانت الحياة ذاتها التي تطفو عمياء كضباب ثمل في الشوارع.

كانت تقف جنبًا إلى جنب مستندة إلى الجدار مشكلين جيشًا من المتسولين،

كانت فيضانًا في الهواء.

عصيّة لكنها عذبة كما الزمن.

بصوت متقطع كعشق مدمر لا ينصلح،

بجوف قلب فارٍّ.

بظل الروح، مجرد ظلال زجاجية،

بفضاء فارغ ليد لا صاحب لها،

بشفتين مجروحتين،

بجفون لا تحلم،

ببقعة من صدرها مزروع فيها طحلب الشعور والنرجسية،

فوق الكتف اليسار،

وعلى الآخر الذي يحمل الزهور والنبيذ،

بالأظافر حتى لو كانت لم تنبت بعد،

بمستقبل دون حوافز، وماضٍ دون عقاب،

مع الزفير، مع الصفير،

مع آخر وجبة زمنية وآخر رشفة

مع آخر جملة من آخر كتاب.

مع من سيكون غريبًا عني وما كان لي.

نحن أوركيدا فولاذية،

نزهر في ثكنة كالعفن النابت على حافة سيف،

نحن ازدهار الدم،

زهور لحمية تتقاطر منها الدماء،

نحن الموت المُقَلَّم للتو،

الذي يُنبت مزيدًا من الموت حتى يصنع حديقة من الموت.

كنباتٍ أرجواني متسلق لجذر حاد،

الذي يقسم القلب ويزرع نفسه في الدم الموحل

ويصعد ويهبط اعتمادًا على حركة المد الخطير.

وهكذا أغرقنا صدور الأحياء،

نحن غابة تتقدم. نحن الأرض الحاضرة. نابتة وفاسدة.

مستنقع عفن تخرج منه فقاعات فراشات وأقواس قزح.

أينما تتقشر بشرتك تحل عظامنا الباكية،

ألمنا اللامع في لحم حي،

آه أيتها الأرض المقدسة النتنة، روث إنساني.

من رماديتي تصعد نظرتي الجشعة،

عيني المهترئة البطيئة التي أصابها الكبر

من أعماق دوار موحل

دونما سواد أو أي لون آخر

عمياء تمامًا.

أصعد كخلد في هواء يشم نظرتي،

أنفي والخفافيش مصنوعون من الصوت.

الحجر هنا هو حجر، لكن حتى الخشب الأصم

يمكنه أن يتخيل إن كنا سنأتي أم نذهب.

لكننا جئنا، نعم، من عمقي السميك،

نذهب، ها قد شعرنا بذلك، في الأصابع الفاسدة

وفي هذا الصمت القاسي الذي يريد الغناء.

كصباح مفاجئ يرسمه الدم

يقتحم رغبة المعاناة العنيفة،

ثم يتدفق البكاء كظفر اللحم

وينبح القلب المسعور عند الباب.

فالباب مكعب حي،

وطريق أخضر تحت الأرجل يوصل للبئر،

وأعمق منها، حتى الماء،

وفي الماء كلمة سامرية

أكثر عمقًا، حتى القُبلة.

من البحر الشفاف الذي يدفعني

أحمل في دمي تجاويف موجتها، وتجاويف هروبها.

غرفة ملح مستضافة.

إن كان علي قول شيء، فاستغنوا عني،

فقد نسيته في الطريق الجميل.

من إهمالي أكلت الزبد،

سامحوني إذ جئت عاشقًا.

خلفك تظل الآن أشياء عذبة، مطمئنة.

طيور ميتة، أشجار دون ري.

جرح سائر، عطر الذكريات.

ليس هناك أمر محدد، ليس هناك من جيد أو سيء.

وتبدو الحياة سائرة نحو بلد الرعد.

أنت التي شعرت في أصيص زهور بقوة هذه الضربة،

أنت التي دعتك الريح إلى حفلة.

أنت يا صاحبة الببغاء والعربة الرشيقة على السكك.

يا من رأيت حصان الدولاب

باقيًا على العشب منتظرًا أن يركبه أطفال المدارس،

تحضرين الآن، بعينين شاحبتين، هذه الطبيعة الميتة.

لا تنضج الثمار في هذا الهواء النائم إلا ببطء،

فيتضح ذبولها،

حتى تختلط على الحشرات الأمور في هذا الربيع السائر نائمًا.

لا يلوي على شيء. الطبيعة فقدت زوجها.

لا يملكون القوة الكافية كي تموت بذور المزارع

ويسمع موته كخيط صغير من الدم يخرج من فم مجروح.

ورود عزباء، زهور استخدمت قبل ذلك في حفلة النسيان،

رائحة قبور خفيفة، وأعشاب تموت على الرخام المسجل.

لا صرخة واحدة ولا حتى صوت عصفور أو طفل

أو ضجة قاتل شجاع يحمل سكينًا.

ماذا ستقدم اليوم كي تحصل على فستان ملطخ بالدماء!

ماذا ستقدم اليوم كي تجد عشاءً مسكونًا!

ماذا ستقدم لأنهم سيزرعون طفلًا في لحمك!

وختامًا، يا رب الجيوش، ألقيت هنا آلامًا عليا.

أوجدت هنا، دون أسف، دون حيلة، دون أشعار،

الألم الحقيقي.

وختامًا، يا إلهي، أوجدت هنا أمامنا الألم الواقف بجفاء.

ليس ألم المجروحين ولا الموتى،

ولا الدم المنسكب ولا الأرض الممتلئة بالشكاوى

ولا المدن الفارغة بيوتها ولا الحقول المليئة بالأيتام.

إنه الألم الكامل.

لا يمكن أن يكون هناك دموع ولا وجع

ولا كلمات أو ذكريات،

فلا شيء يتفهم ما في الصدر.

كل أصوات الكون تشكل صمتًا عميقًا.

كل رجال العالم يشكلون طيفًا واحدًا.

في وسط الألم هذا، وحدة يظل مكانًا فارغًا أو ممتلئًا.

حياة أولئك الباقين فيه تستقر حفر،

لها أماكن كاملة،

كأنها أخرجت وجبات لحم من أجسادهم.

أنظر هذه الثغرة، نعم هذه، التي أحملها في صدري،

كي ترى الجنة والجحيم.

أنظر إلى رأسي المثقوب بآلاف الثقوب:

من خلاله تشع شمس بيضاء، ونجمة سوداء.

المس يدي، هذه اليد التي كانت فولاذًا بالأمس:

أيمكن أن تجتاز أصابعك من خلالها وتصل الهواء!

هنا غياب الإنسان، فرار اللحم بسبب الخوف،

هجرة الأيام والأشياء والأرواح والنار.

كل شيءٍ بقي مع الزمن، كل شيء احترق هناك، بعيدًا هناك.

هواكين باسوس

شاعر وكاتب ومؤلف مسرحي، وُلد في غرناطة بنيكاراغوا عام 1914. بدأ كتابة الشعر منذ كان في السادسة عشرة من عمره. ينتمي إلى جيل الحركة الطليعية في نيكاراغوا التي يُعدّ الشاعر الكبير بابلو أنتونيو كواذرا من مؤسسيها، ويُعتبر هواكين من أصغر الشعراء سنًّا الذين انضموا إليها.

كان من المعارضين للديكتاتور سوموسا، ما أدخله السجن عدّة مرات. توفي في ماناغوا عام 1947 بسبب مشاكل صحية، إذ كان مدمنًا على الكحول، قبل أن يتمكّن من نشر أعماله؛ فجُمعت قصائده ونُشرت لاحقًا في ديوان «خلاصة القول».