غدير أبو سنينة → العودة إلى نصوص بترجمتي
ميغيل مالدونادو
نصوص بترجمتي · شعر وقصة قصيرة

ميغيل مالدونادو

المكسيك
قصائد · من ديوان «الحِرَف الحزينة»
صورة مرافقة للقصائد

الحِرف الحزينة

الذين يمتهنون الحرف الحزينة

يتردَّد أبناؤهم في الإجابة

على السؤال المزعج الذي يطرح عليهم دوماً

ماذا يعمل والدك؟

يعلمون جيَّداً

أنّهم سيقبلون بأيِّ عملٍ آخر

مقابل الأجر ذاته

يتحوَّلون لحكماء

حين يتوقَّفون عن لوم الآخرين

الذين لا يحبُّون أعمالهم

غاسل الصحون

هو الأخير

في السلسلة الغذائية

يأكل أحيانا

بقايا كعكة

تركتها نساء

ندمن على تناول السكر

من النادمات، وصلت قطعة خبزٍ لغاسل الصحون

لا يهتم

إن تركن فضلات الأكل كما هي

أو انتقلت إليه عدوى مرض ما

من تناوله طعام الآخرين

تحزنه أمورٌ أخرى

كأن يداعب زوجته

بأنامل يده المتجعدة

بسبب الماء

أن يلمس الأشياء

بيدي عجوز

فقط لمرَّة واحدة في الأسبوع

يشعر أنَّه من جيل النساء اللاتي يلمسهنَّ

ليومٍ واحد في الأسبوع،

يعود غاسل الصحون شابّاً

عامل المنجم

يواجه جداراً أصمّاً

يواجه قساوة العالم

والأحجار العملاقة التي هي الأرض أصلا

والخرَّامة التي فسدت وهي تحاول اختراق صخور منيعة

يأخذ مقاييس

أطراف الديناميت وحياته القصيرة

لا يعرف شيئا عن الأشياء الشفافة

عن العشب الطري

أو القطن الناعم

لن يصل إلا

لوردةٍ من حجر بركانيٍّ أسود

وللذهب في جلد النمور

وللمياه الجوفية

لن يصل إلاّ

للملمس الناعم للأشياء الخشنة

الخطَّاط

لدى الناس قناعةٌ ما

بأنَه يحترف الرسم

ولا أحد يعرف

أنَّه ما زال يتمرَّن في العمل

ولهذا

وعلى يافطة الملحمة

تُرى وجوه زرافات لا وجوه بقرات

وإن طلب منه حفيده رسماً

يخطُّ له جمبريّاً بقدمين

أو كعك العيد

أو لحماً على سيخ شاورما

يرسم كلمة "ثلج"

بحروف مذابة

يسأل الحفيد

لماذا ترسم دوماً

إطارات وحقناً وبراغي

بدل أطياف

وقلوب

ومشاهد طبيعية؟

السيِّد الذي يختم الطوابع

ذراعاه لا تتعبان

ليس لديه مشاكل جسديَّة ولا نفسيَّة

يداه

يداه فقط

الملطَّختان بالحبر

ثمَّة مشهد ظالم

يعرض أيادٍ نظيفةٍ

تدفع الفواتير

ويدٌ واحدةٌ تتَّسخ

لا يتحدَّث الناس

مع السيِّد الذي يختم الطوابع

يحيُّون الموظفين من الشبابيك الصغيرة

ويتبادلون الابتسامات

مستثنين السيد الذي يختم الطوابع

وحيد هو

بيد واحدة

متّسخة

الحِرف المُرهقة

الَّذين

يسلِّكون شبكة المواسير

يصطحبون الكلاب المشرَّدة للحرق

ينظِّفون البراز العالق بالتماثيل

يعتنون بأعمالهم ليلاً

ينجزون أعمالاً مفيدةً دون أن يراهم أحد

اعلموا

أنَّه حينما تجري المياه في الأنابيب بشكلٍ جيِّد

وحينما أمسك بيدي كأسا

أفكِّر بكم

دون أن أعرف

إن كان لهذه الحركة

أية قيمة

الحارس الليلي

لا ينام نهاراً

لديه عملٌ آخر

عملٌ بسيط

كي لا يخونه النعاس

يختم سجلّات

أو يثبّت الأسعار على المنتجات

يعجز عن متابعة الأشياء

التي تحدث

لا يعرف إن جرت بالأمس

أو إن كان ابنه في الصف السادس

يفكر

هل قال ذلك الشيء، أم لم يقله؟

ينام وهو يحرس

توقظه أيّة قطَّة

يقفز فزعاً

من ضجيج محرِّكٍ

إنَّه الحلم الأكثر توتُّراً

يعود لبيته

متسائلاً عمَّا حدث

إن كان ذلك بالأمس

إن اجتاز ابنه الصف السادس

أقال ذلك الشيء

أم لم يقله؟

الحدَّاد

أصحاب الحِرفة الحزينة

لا يريدون أن يرث أولادهم

هذه المهنة

يحلم الحدَّادُ بأطفالٍ

ذوي بشرةٍ رقيقة

ضعفاء لا يقوون على المطرقة

لديهم حساسيَّةٌ ضدَّ النار

لكن هذا نادرا ما يحدث!

ولهذا تجده معتاداً

على إسعاف حروقهم

لا يتوقَّف عن الحلم

بتغيير وجهته يوماً

يتمنَّى أن يُنجبَ أبناؤه

فتياتٍ فقط

وأن يعملن في متجر زهور

الحدَّاد

يحلم

بمتجر زهور

أمينة الصندوق

هي الأقلُّ اطِّلاعا في العمل

عليها أن تسلِّم الحسابات كاملة

وحينما تشتدُّ ساعة البيع

تركِّز في العدِّ

تزن كلَّ قرشٍ

تعدَّ النقود ثلاث مرَّات

احتياطاً

لكنَّها تخطئ دوماً

تُعيد للناس مقداراً أكبر من النقود المتبقِّية

ورغماً عنها

تساهم في سداد إجار منازلهم

أو إهدائهم شيئاً ما

لكنَّ الديون تتراكم عليها

خارج المنزل

وداخل المنزل

تفكّر بأن نقود الصندوق ليست لها

تحاول أن تبدو غير مبالية

لكنَّها تفشل

رغبةٌ بالنقود تراودها

إذ عليها مسؤوليات كثيرة

ما بين أمينة للصندوق

وسارقة

طوال الوقت

تلك معضلة غير عادلة

لمن لا يملك الخيارات

وذلك "خياره" الوحيد

البائع الجوَّال

ليست أبواب المنازل التي ترفض أن تفتح له

ولا تلك التي تبغضه

ليس توتّره وهو ينتظر أن يُفتح له

بل شعوره بأنَّ أحداً من الداخل يراقبه

ليست الحاجة لإقناع هذه السيِّدة

بأن يرحل الآن ويأتي في اليوم التالي

ليست النساء اللاتي يوشكن على الشراء ثم يتردَّدن

ليست المنازل المغلقة

ولا العرق والمناديل

ليست الكلاب التي تنبح عند العتبة

لا

لا يؤلمه سوى

التقرّحات في قدمه

وألّا يتمكّن من السير لعمله في الغد

عمَّال البناء

غالباً ما يقارن النّاس بين أعمالهم

والأعمال الخفيفة

كحافظ الأرشيف

ورئيس الخدم

تستسلم عضلاتهم

للإزميل وأدوات البناء

بعشق الكاتب لقلمه

الرسام لقماشه

ربما فقط الخبَّاز

يحسب مقادير

العجينة

لا أحد مثلهم

يمنح نفسه كاملاً

لكنَّهم ينكسرون

منفجرة أوردتهم

متزاحمة الفتوق في أجسادهم

ثم ينتهون في الأعمال البسيطة

كطبع الأختام

على مضض

الأعمال المفقودة

أغلقت الورشة

التي كانت تُصلح ألعاب العرائس

كانت تغيّر شعرهن المستعار

تركّب أضوية على الرموش

طلاء على الوجنات

السيدة

أنهت ترتيب أطفال يسوع

وإلباس جميع القديسين

ما فائدة وجودٍ

لا يعتبر

أن المرء على ما يرام بما عليه

وأنه ليس بالأمر السيّئ أن يكون

المرء

عامل تلغراف

عاطلاً عن العمل؟

كاتب إداريٌّ

يتعرَّف في الأوراق

إلى حيوات الناس

يعرف تخصّصاتهم

ديونهم وعقود طلاقهم

أحياناً

عائدا إلى بيته

يفكِّر

بسجلٍّ ما

يتحدّى القدر

شخص كهذا

لديه ما يسنده

شهادات

لغات

خبرة

مع هذا

في اليوم التالي

يراجع المحفوظات

لو ثمة وثائق ناقصة

يطلب تسليمها

يحظى بكره

أولئك الذين

يفكّر بهم

المُشرف

رفعوا درجته الوظيفيَّة دون رغبة منه

عليه الآن أن يراقب أصدقاءه

يصعب عليه كتابة التقارير

وإجراء المكالمات التحذيرية

لا يعرف بعد

كيف يحافظ على هذه الصداقة

وأن يقنع زملاءه

أنَّه لا يأخذ المنصب على محمل الجد

يبدؤون بكرهه بالتدريج

يعتقدون أنَّه حقّاُ مشرفٌ كبير

وأنَّه المسؤول

عن تحسين العمل

بعد عدَّة سنوات

يتذكَّر

أنَّه كان يحاول إقناع نفسه

ألا يأخذ عمله

على محمل الجد

الإسكافي

منزعجون

من غيابه

ترك تصليح الأحذية

لإصلاح جلد

الحقائب والسترات والمحافظ

انتبهوا

إنّها "العولمة"

حافظ الأرشيف

بعد خمس سنوات

تموت الوثائق

تذهب للقمامة

وفي هذه الأثناء

يرتِّب حافظ الأرشيف الأضابير حسب الموضوعات

يدمغ االمصنَّفات بشغف

ينفض الغبار بحذر عن علم الآثار

يعرف الأسرار المحفوظة

وأهمية ترتيبها على التوالي

يتحمل وخز الدبابيس كأنّه عالم طبيعة

يفصل يقسِّم يبوِّب

أمين محفوظات

باب ذا مصرعين

دمغة

بعد ذلك

كل شيء يذهب للخراء

السَّاعي

يوظفونه لأعمال روتينية

يقوم بها أيّاً كان

يدا أيّ شخص

تنجز تلك المهمَّات

يتعايش مع طبيعة عمله

دفع فواتير البنك

اصطحاب الأطفال للحديقة

احضار الحليب في أوقات الطوارئ

-انزل بسرعة!

-لا تنس!

لكنه نسي

لم تحتمل ذاكرته

إلا مقادير معينة

من المأموريات

فيغادر

بحثاً عن وظيفة ساعي

من جديد

يدرك أنه أصبح

مرناً جداً

ولا يتذكر

أنَّه اعترض يوماً

أتراها روح مهنته؟

أسرع، انزل، اصعد

لا تنس!

نحن من ننساه.

صانع الفحم

ذو شخصية درامية

تبدأ من ضحكته

حين يسودُّ وجهه

ويبدو فمه التهريجي

بلون الأحمر القاتم

ذو شخصية درامية

تنتهي بمأساة

حين

تنزلق حبّات العرق من وجهه

كأنما هي بكاءٌ مشفَّرٌ

لضيق التنفس

الذي ينتظره

أصحاب العمل اللئيمون

فقط يستحقّون العرض

في عناوين القصائد

أبدا لن يكون لهم

أي بيت شعر

عمل فني: عمّال المسبك
عمل فنّي مرافق · Europeana

الأعمال التي لا تنتهي

هي الأعمال التي تنطوي على الشيء ذاته

ذلك الذي يقطِّع الثوم دوماً

في مطعم ياباني

الذي يتقاعد

بالضغط على قروحه الألف

الذي يختم الملفات

لثلاثة أجيال قادمة

الذي يخضُّ ويخضُّ

توم توم توم

توم توم توم

أولئك الذين ينفِّذون في الحال

ما فعلوه مسبقا

اسمحوا لي أن أرسل لكم

شعراً بليداً

لا تلقوا له بالاً:

اهجروا العمل!

الأعمال الدائمة

ينجزون أعمالهم

ببطء شديد

بارعون

في مطِّ العمل

ليتجنَّبوا الإقالة

يعملون أضعافا مضاعفة

يبنون نهاراً

ويهدمون ليلاً

القلق أيضاً مضاعف

تقترب كل لحظة

نهاية المدة

قليلون مثلهم

يشعرون

ويستشعرون

بالخطوة

ودبيب

الزمن

العتَّال

ذو البنية القوية

يبدو وكأنّه يلوم جيناته الوراثيَّة

التي مارست أعمالاً سهلة

لأنه لم يكن يوماً صخرة عملاقة

كان يجد نفسه مجبراً

على تعلّم تقنيات البستنة

أو الخياطة

لكن هيئته السليمة

كانت تؤهّله

لشؤون جسدية

فمن هذا الذي لا يعرف حمل الأثقال؟

يتساءل

ويعاني من المعرفة الشمولية

من ميتافيزيقيا العتال!

لا يشعر بأيِّ فخرٍ

حين يستشيرونه بأمورٍ تتطلّب جهداً

وتسبِّب فتوقاً

لا يفخرُ

بالفن الذي يمارسه

كي يصبح وزن الأحمال

أكثر نبلاً

شانغ تاي أوّل مصاب بفيروس كورونا

قصة قصيرة
صورة مرافقة للقصة

قال زوانغ جو: "انظر للأسماك في النهر وهي تسبح

هنا وهناك بفرح".

ردّ ويزي: "أنتَ لست سمكة، فكيف تعرف أنّ الأسماك سعيدة".

أجاب زوانغ جو: "أنت لستَ أنا، فكيف تعرف أنّني لا أعرف أنها سعيدة".

زوانغ جو

بدأ كلُّ شيء بسبب قطرة منسكِبة من أحشاء خفّاش وصل مريضاً إلى سوق الأغذية، قطرة صغيرة مُصابة خرجت من تحت ظفر جزّار شاب.

في أحد صباحات أيلول، كان من المتوقَّع أن يكون الجوُّ بارداً في مقاطعة أوباي، ما حمل سكّان ووهان على طلب شوربة الخفّاش التقليدية الساخنة مع الزنجبيل للغداء.

مَن أكل من تلك الشوربة خلال أيام العدوى أكَّد أن طعمها كان طبيعيّاً، بل كانت لذيذة كالعادة، رغم ما نعرفه عن قدرة الزنجبيل على إخفاء النكهات السيّئة.

لم يجد شانغ تاي غرابةً في ذلك الصباح الذي توجّه فيه إلى عمله في السوق الرئيسي، حيث يقطّع يومياً عشرين كيلوغراماً من لحم الخفّاش. لم يدرك الرائحة التي أطلقها اللحم الخبيث ولا خدشاً أسفل ظفر إبهامه، تسبّب فيه نزوله السريع من الباص العمومي. عبر ذلك الخدش تحديداً، تسلّلت قطرةٌ تحمل فيروس كورونا.

شعر شانغ تاي بأن الجوَّ باردٌ أكثرَ من العادة في ذلك الصباح. طلبت المطاعم المحيطة بالسوق المزيد من اللحم بسبب الطلب المتزايد على الشوربة الساخنة. كان على شانغ تاي أن يعمل ساعات إضافية حتى تسلّخ جلد يديه. سلخَ جلود ضعف عدد الحيوانات المعتاد، وثقب عظامها. وخلال أكثر من 12 ساعة، كان قد ذبح مئات الخفافيش البرية العملاقة التي تتّخذ من شقوق الكهوف والخنادق المحيطة بها، مساكن. في نهاية اليوم، كان التعب بادياً على عينيه ومنعكساً في العيون المطفأة لتلك القوارض. شعر بأنه قد انطفأ مثل نظرات الخفافيش الزائغة. ردّد مرّات عدّة: "سواء كانت ميتة أم حيّة، لديها دوماً تلك النظرة الغامضة".

لم يكن شانغ تاي يعلم أن الخفّاش المريض كان من ضمن الشحنة التي وصلت مساء اليوم السابق في تمام الساعة السادسة، كما جرت العادة. لم ير شيئاً غريباً حينما أخرج أحشاء الذبيحة. لم يميّز اللون الأخضر الذي صبغ اللحم الذي أوشك أن يفسد. وهكذا، غير مدرك لشيء، سار إلى بيته في وقت متأخّر من الليل. عبَرَ المدينة بنفس الطريقة التي عبَر بها الفيروس جسده، ببطء.

خلال تناوله العشاء، حدّث عائلته عن عيون الخفّاش المكفهرّة. كان قد حدّثهم عن ذلك آلاف المرّات: "كيف يمكن لحيوان يتغذّى على الفاكهة أن تكون عيونه مطفأة هكذا؟ كأنما يأكل الجيف لا الفاكهة، بل كأنه نسر يتغذّى على الجيف ذات الريش الملوّن". وعادة ما تعلّق أخته الصغيرة على كلامه: "أو كأن النحلة التي تنتقل من زهرة لأخرى، ذبابة".

في الأسابيع اللاحقة بدأت أعراض الإنفلونزا تظهر على أقرانه في العمل، بينما ساعده سنّه الشاب في تأخير ظهور الأعراض ليومين. وفي غضون ثلاثة أسابيع كان جميع عمّال السوق مصابين بالفيروس.

أجبرتهم وزارة الصحة على إغلاق المحلّات، وافترض خبراء الأوبئة أن بؤرة المرض انتشرت تحديداً من مكانه، ولم يشكّوا في أنه أوّل المصابين بالمرض. كان أقرانه يشعرون بالذنب، إذ ظنّ كلّ منهم أنه من نقل الفيروس. ولهذا، فقد أجروا فحصاً ذاتياً لتحديد اللحظة التي أصيبوا فيها بالفيروس. حين رأى فزعهم قرّر أن يعترف بالحقيقة: حدَّثهم عن ذلك اليوم الذي عمل فيه لساعات إضافية، واعترف أنه وجد قتامة غير مألوفة في أحد الخفافيش دون أن يعير الأمر أهمية، لكنه اعتقد حينها أنّ الإرهاق الشديد جعله يرى الحيوانات على نحوٍ غريب. "كان ذلك بسببي، لا تعذّبوا أنفسكم أكثر".

غرق في الحزن بعد وفاة شينغ، أكثر أقرانه قرباً منه، والذي ساعده منذ عام على إيجاد عملٍ كان في أمس الحاجة إليه. أحس بالأسف لأنه لم يستفد من تجربة شينغ شيئاً. كان شينغ قد علّمه كيف يميّز اللحم الطازج، وكيف يتعرّف بنظرة سريعة على صحّة الحيوانات النافقة، وكيفية تشخيص الجلد المصاب، فهناك اختلاف بين الجثث أيضاً. النور الباهت في العيون واصطباغ الجلد هي مؤشّرات على ميتة جيّدة أو سيّئة. لم تنفعه هذه السنوات التي ترقّى في العمل خلالها ليصبح مسؤول طابق، لأنه كان الأفضل في تمييز صحّة الجثث "جثّة ذات ميتة جيّدة أو سيّئة"، كما يقولون في النقابة.

في أعماق نفسه ظل يتحسَّر على أن صديقه، مَن كان بمثابة أخيه، لم يحظ بميتة جيّدة، بل بميتة مريضة حرصوا خلال سنوات على اكتشافها وتجنّبها.

أُغلقت ووهان وأعلنتها السلطات مدينة طوارئ. غطّى الناس وجوههم بالكمّامات وحافظوا على إبقاء مسافات كافية بينهم. ورغم أن المرض لم يتطوّر لدى شانغ تاي، إلّا أنه قرّر البقاء في المنزل ومتابعة الأخبار عبر التلفاز. كرّس وقته لرعاية أخته التي ارتفعت حرارتها وبدأت تشكو من أعراض التهاب رئوي. كانت لديه مهمّة واحدة، أن ينقذها مهما كان. وبتلك القناعة الراسخة، تمكَّن من الحصول على أدوية لتقوية جهاز المناعة وخاصة مضادات التهاب الرئة.

ظلّ يراقب أخته والخبو البطيء لنور عينيها. لاحظ جفاف وجهها وعاين التغيّرات الصغيرة التي أثّرت على محيّاها. قلّة من أمثاله في ووهان يستطيعون متابعة تدهور الجسد لحظة بلحظة، بيد أنه هذه المرّة لم يكن يراقب جسداً سيجزّ لحمه أو سيتخلّص منه لاحقاً، كما كان يفعل في السوق، بل كان يراقب وضعها عن كثب، لأنها الطريقة الوحيدة التي تعلّمها لاكتشاف المرض.

مرّ شانغ تاي بأيام عصيبة يائسة ظلّ خلالها يلوم نفسه على ما حدث في العالم. لم يكن يتمنّى فقط لو أنه ما عمل قطُّ في سوق الأغذية، بل لو أنه لم يولد. عذّبه التفكير في الموت الذي كان من الممكن تجنبه لو أنه وثِق أكثر بحواسه، لو أنه تخلّص من آثار التعب مساء يوم العمل الطويل ذاك. حينما كان يخرج إلى الشوارع لشراء الأدوية، كان يطلب المغفرة في قرارة نفسه من المارّة، وإن شعر أن أحدهم مريض، يطلب منه التوجّه فوراً إلى طبيب يثق به، طبيب يعرف جيّداً تشخيص الجسد المريض، كان يُصرّ "أرجوك، لن تخسر شيئاً، اذهب".

في الأيام التي انتشرت فيها الجائحة في ووهان، كان شانغ تاي يحلم بفيلق من الخفافيش تجتاح منازل المدينة بحثاً عن دماء، كانت تهجر الثمار لتتقدّم نحو الشوارع وتهاجم الناس الذين نزفوا حتى الموت، يحلم بآلاف مصّاصي الدماء الحائمين في الجو وفوق الشوارع مثل غيمة سوداء ضخمة، باثّين الرعب أينما توجّهوا.

المشهد الدموي في كوابيسه لم يكن مختلفاً عمّا كان يحدث يومياً في سوق الأغذية، إلّا أنه وفي أحلامه، كان مصاصّو الدماء هم من يذبح الناس ويقتلونهم ويهاجمون المدينة حتى تصبح آثار خراب. في أحد أحلامه انتقموا بشكل قاسٍ لطالما اعتادوا على تحمّله، العين بالعين والسن بالسن.

هو الواقعُ نفسه. انتقم فيروس كورونا للخفافيش. إذ لن يجرؤ أحد على أكلها بعد ذلك. انتهى زمن الصيّادين الأوغاد. ستعيش الخفافيش أخيراً بسعادة في خنادقها. وبعد قرون عديدة من معاناة قطع الرؤوس، ها قد وجدت طريقة الخلاص وإنقاذ نفسها، هذا ما أكّده شانغ تاي لأخته: "فيروس كورونا هو انتقامها، تنتقم منِّي، منَّا، من المعاناة التي سبَّبناها لجنسها".

- وأنتَ؟ كيف تعرف كيف تُفكِّر الخفافيش إن لم تكن واحداً منها؟

- كيف تعرفين أنني لا أعرف إن لم تكوني أنا؟

- أنتَ لست خفّاشاً. أنت متأثِّرٌ بكوابيسك، لستَ المسؤول عما يحدث، كان على هذا أن يحدث".

- "أنتِ لا تفهمين شيئاً، لأنك لم تكوني يوماً قريبة منها. تحتفظ أجسادها الباردة بالألم والحقد. ذلك انتقام الحيوان".

- "كلّا، ليس سوى وباء تعاني منه البشرية، لا معنى لحديثك".

وللمرّة الأولى، تفهم أخت شانغ تاي ما قصده حين تذكّرت حديثه عن نظرة الخفّاش الشاحبة. للمرّة الأولى فهمت ما عناه عن نظراتها التائهة، الزائغة، تساءلت: "أكانت ميتة أم حيّة؟".

ميغيل مالدونادو

ميغيل مالذوناذو، (المكسيك، 1976). شاعر وكاتب. حصل على الدكتوراه في نظريات الثقافة من جامعة "لاس أميركاس" في كوتوتيلا بإشراف جامعة السوربون، والماجستير في العلوم السياسية من جامعة بويبلا الوطنية المستقلة بالمكسيك وجامعة ماكجيل-مونتريال. حاز الجائزة الوطنية لشعر الشباب "جوتيري دي سيتينا" عام 2005. من أعماله الشعرية: قصائد السحر الحالي (دار نشر ديستراس، 2004)، الجسد الخاص (كوليبري 2006)، المَعقل (كوناكولتا 2008)، الحرف الحزينة (كوناكولتا 2010)، (الوقوف على التفاصيل-عن دار مانتيس في المكسيك وإكري دي فورج في كندا، 2011)، نقطة بتصميم رسام الغرافيك كاتسومي كوماغاتا، 2012. ذئاب (تايير ديتوريا، 2012)، 420 ضربة (بوك ثاغ، 2012)، أوكتافيو باس: تكريم وازدراء ( (CNRS، 2014.