

أُحسُّ باقتراب موتك من آثار قدَميْك التي تتركُها على العشب. دمٌ بارد أدهَنُ به صدري في طقس وحيد. رسالتك فتحت عُواءات وهذه الليلة هي الأشدُّ سواداً وعتمةً مذ عرفتُ عن السّهم المغروس في فخذك كزائدةٍ من الإثم. كأعمى تتقدَّمُ دون أن توقِفَ الخطوة التي تؤلم عظامك. لا تنظرْ للمستنقع، لا تقفْ لتشرب الماء الذي سيخفف تعبَ عينيك، تجاهلْ أنَّ الفجرَ يُشفي خيبات الغابة.
أشعر بك. اقترابي منك سلاح ذو حدّين لجسدك الضّعيف. ولهذا أتوقّفُ وأحفظُ مهماز أنفاسك في حقيبة أدويتي النارية. أدرك أنني أفقدُك على بعد أمتار من المسافة لكنني لا أفهم كيف أصل لقلبِك المريض.
أستمعُ للبحر من الشارع. المسافة التي تُبعدُ اللهيب عن سيارتك التي تدور دوماً من زاوية لأخرى. هذا المأوى ينزفُ. أظلِّلُ القصيدة بالكلمات التي تركتَها في الوعاء. تنمو زهرة لوتس على سياجٍ ناعمٍ جدّاً ويرفع القمر صراخه الأبيض على شرفة طوفاني. ثمة نمرٌ في جسدي. أخرجُ لأبحثَ عن آثار طريق مرسوم في هواء المدينة المُطلّة على هاوية. أريد أن أتبعَ مسار عطرك. فريسةٌ دافئة قلبُك المزيّن بالرِّيش الذي يبتعد عن أسلحتي النَّاريَّة. تبقى رائحة البارود والدَّخنة التي تأخذ طَعم التّنازل في موقد قُبُلاتي. أين؟ أين تنصب فخاخك؟ ماذا سوى الابتهال والزَّعيق لحملك على الخروج من مخبئك؟
أتقاسم معك الأرض ذاتَها. هربنا وتلاحقنا كصيّادٍ وفريسة. أتبع أثر عطرك وعندما أشعر بقربك أُذيبك في الليل البارد. ولهذا أفرُّ من الأسى الذي يطاردني كرمحٍ حادٍّ وعندما أكون على وشْك أن أُنقذَ نفسي أشعر بسهم نظرتك الصّائبة من بعيد فلا أتحاشاها.
أشربُ مياه عينيك المعمَّدتين في أرضي المكشوفة. أحفظ صلاة في تنهُّداتي. أرتعش من لعابك، ومن شفتيك أُرطِّب القمَّة المنتصبة. ورديٌّ هو الفتيلُ الذي يحملُك على إشعال الفجر. أبحث عن أصابِعك في العتمة. أتعطَّشُ للهيبك ولبراعمك. أخرج للممرَّات حيث الصَّوت يعودُ صدى. أرقّقُ الدّم لأُعيدَه للنَّهر الذي تستحمُّ فيه البُروق، وهكذا أُنصت بشكلٍ أفضل لحواره الشّتوي. لهذه الشِّفاه قدرةٌ أكثرَ من تصدُّعات الصَّمت. ولهذا أعضُّ، لأضفّر الليل مع نسيجي وأطرّز جِلدَك على حال الأشياء السّاخنة هذه. حافَّتي تنتظر. لا ملجأ في غابة السّلالم اللّيليَّة هذه.
السَّلالم زمن،
تعرّجات النُّور والظِّل
يصعدها الحلم
ويهبط منها النِّسيان.
في الأعالي ينتظرنا
المنطق والسماءُ
وفي الأسفل يترقّبان
هذيانهما الخاص.
لا تُسكَن السَّلالم،
بل تُعبَر
ومنها يمرّ الجميع:
الرِّجال، الأيَّام، الحياة.
كلُّ السَّلالم
حتّى أكثرها بساطةً
تجعلُنا زوّاراً أبديِّين
لمعابدَ داخليَّة
الطَّيرانُ هو الحُلم،
الخوفُ منتوفُ الرِّيش.
والسَّلالم تُقرِّبُ
القمَّة والهاوية.
مذ كنت طفلةً
وأبي يجمع البوم.
بومٌ من المعدن، من الوبر، من الزُّجاج، من الطّين،
من القماش، من الكرتون، من أصداف البحر،
من الموزاييك الصغير، من الخَرز.
بعضُها فاخر وبعضُها متواضع،
فريدةٌ وفنِّيَّة،
مألوفة وعاديَّة،
صلبة وهشَّة جدّاً.
تُبرز ثقافةً، رحلةً
أو حلقةً حميميَّةً من حياتها.
تَسكُن رفوف مكتباتها.
تراقب صلاة الكتب.
بومة جميلة من عصور ما قبل التاريخ
تقفُ حيث يبدأ تاريخ المكسيك.
بومة يونانية تقليدية
تُلوِّح لأفلاطون ولحواراته مع الآخرين.
بومةُ تجريديّة،
معروفة بعينيها الكبيرتين،
تتأمَّلُ كتب ميرو وبيكاسو
وآخرين يُظهرون
كيف أَتقَن القرن العشرون المتعة.
مذ كنت طفلة
أسمعهم يهمسون في الظل
حين ينام البيت،
يتناقشون الأفكار،
يروون الحكايات أو يرحّبون
بعضوٍ جديدٍ وصل توّاً من بلد بعيد.
من المهم أن تسمعَ كيف يتحاجّون
البومة الأكاديمية التي شاهدتَها بقبّعة ورِداء
والبومة الهيبي ذات الجسد الموشوم بخرز ملون،
أو هذه البومة النَّسوية التي تحمل زهوراً صفراء مفتوحة
وهي تقفُ على الطِّين الأسود
وتحتفظ بكتاب المرأة التي تعرف اللاتينية لروساريو كاستيانوس.
بين كنوزها
استمعتُ لصمت هذه البومة الهندية
التي وبعيداً عن الجميع،
تتأمَّلُ الأوراق الخضراء المتمايلة خلف النافذة.
ثمّة بومة بوهيمية
مصنوعة من فلّينة نبيذ بوردو
وبومة كريستاليَّة مخدوشة تدافع بأناقة
عن التنوع الجنسي وعن زواج المثليين.
بومات تتحدّث الألمانية أمام مجلّدات دي كانت وهاسيرل،
وأخرى تردُّ بلغة التوخولابال
تحمي بأجنحتها المصنوعة من قماشٍ وضيعٍ
كتاباً للينكيرسدورف.
المناقشات ازدادت سخونة
لكنها ظلَّت جامعة شاملة.
والآن وقد ناهز أبي التسعين
ما زالت البومات تزور بيته.
ليست هدايا ولا ذكريات رحلة،
ولا مكتسبات يصنعها،
فهو لا يغادر البيت.
البوماتُ تصلُ وحدها
وإذ لا تقف على رفوف المكتبات،
فهي تقف على التلفاز والمكتب
أو على ظهر المقعد العالي.
أراها وإخوتي دوماً
حيثما نكون:
تقفُ على أوراق كتاباتنا،
تركُنُ بانتصار في رؤوسنا،
تحرُس أحلامَنا.
بوماتُ أبي
متيقّظةٌ للعالم ومصيره،
تهتمُّ بالآخر
وبعيونها المفتوحة تبحث عن العدالة.
يجلسهنَّ أبي ويعلَمُ أن لبوماته ذاكرةً سليمةً،
وأن رئاتهِنّ الفتيَّة تستنشق كل الهواء
الذي تحتاجه الروح لتكون جريئة
ولتكون أفكارُها واضحةً مصقولةً كحجارة النَّهر
أو كلؤلؤٍ أزرقَ من البحر المتوسط،
يعلَمُ أبي أن أجنحتها النُّحاسية أو المصنوعة من الزجاج البركاني
تسمح لها بالوصول لكل الأمكنة:
لا تحتاج هبوطَ السلالم كي تفتح الصندوق،
ولا صعودَ باص مهترئ للذهاب لجامعة أونام
ولا باصاً جحيمياً للوصول لشياباس
ولا طائرةً مستحيلةً لبلوغ برشلونة مرة أخرى.
بوماتُه ترافقه في هذه المساءات الهادئة
يهزمن الوقت
ونعمَته
وحكمتَه الّلانهائية.
أسمع عويلَها في مطبخي
وأعلمُ أنَّ أبنائي وحتى أحفادي الذين لم يولدوا بعد
يوماً ما في شارعٍ لا أمشي به
أو في حميميّة بيت محتمل
ستستمع بألفة وذهول
برفرفاتها الحيوية.
تَذهبُ الظِّباء الثمِلة دوماً. وأنا لا أدري ماذا أفعلُ بهذه النِّيران. هناك بارودٌ كثيرٌ محفوظٌ بين الحَوْصلة والبطن. يهربون بتدافعٍ من الطَّلقات التي تصلّبت بعناد لتصل عظامي. ليس لي عضوٌ ولا قامةٌ مزريةٌ ولا خطمٌ، ولا أيُّ قرون. كغنيمةٍ فُزتُ بمطر خطواتها على الأوراق الذّابلة في هذه الغابة المقفرة. فقط أستطيع أن ألحق السِّباق كُلّما ابتعدتُ عن أجسادها. أدرك صوتَ الأشياء التي لا تعودُ ولا يُمكن امتلاكها. أدركُ عبء بنادقي.
اخرجْ فالليل بارد. أزرقُ هذا الانتظار الذي يميل كجوف زهر الياسَمين الأزرق. أتخيلُّ. لا أفعلُ شيئاً سوى التفكير: كم هي عاديةٌ حقولُ القمح، كيف تنحني إذ تلامسُ الريحُ جروحَها. أواصلُ الإملاء الذي يفكُّ شيفرة آثار الظِّباء في الغابة الغائمة. ألاحق نظرةً تتزحزحُ في دواخلي حيث ينزلقُ الشكُّ في الشرايين الرقيقة. هي بنفسجةُ الوداع. أيُّ شتاء في المرآة، أيُّ حجرة هذه التي تعبر الدَّهاليز. لوحةٌ مائيةٌ ذاك الهواءُ الذي يتسللُ من النافذة المفتوحة. لا تمنحُني اسماً في خضم الزوبعة. انتظر هدوء الأزرق كي تفهم وجهي الذي يهرولُ نائماً.
ولدت في العاصمة المكسيكيّة عام 1958 وتقيم في جوادالاخارا ـ خاليسكو منذ عام 1985. أدارت تحرير المجلَّة الثَّقافيَّة «تراجالوس»، وهي عضو المؤسسة الوطنية للمبدعين والمجلس الوطني للثَّقافة والفنون. نشرَت العديد من الدواوين والنَّثر الشِّعري، من بينها: «الزَّمن في إحدى المرَّات» (صندوق الثَّقافة الاقتصاديَّة، 1990)، و«السَّاكن» (كال وأرينا، 1997)، و«عصير برتقال» (تريلسه، 2000)، و«عمل أسود» (أرليكين، جوادالاخارا، 2006)، و«سنبلةٌ أمام الرّيح» (كلاسيكيّات خاليسكو، 2011)، و«لغط الكلمة المكتوبة» (راويلا، جوادالاخارا، 2013).
كتبَت أيضاً قصصاً للأطفال، منها: «أمارينا والكابوس القديم وقصص أخرى» (نورما، بوغوتا، 1996)، و«بابالوتي، بابيليتو» (دار نشر س.م، المكسيك، 2004).