لم تكن صبيحة العام الجديد عادية بالنسبة للوسط الثقافي في نيكاراغوا؛ نيكاراغوا حيث يتعلم الأطفال الرقص قبل المشي، وحيث تمتلئ الحانات والبارات بالراقصين والحالمين حتى ساعات الصباح الباكر. وفي حين احتفل النيكاراغويون بالعام الجديد مع عائلاتهم أو في الملاهي والحانات، قرر الشاعر الشاب فرانسيسكو رويس أوذيل أن ينهي حياته بطريقة أقل ما يقال عنها إنها تراجيدية، إذ علّق نفسه بالمشنقة في الساعة الحادية عشرة من ليلة رأس السنة، مقررًا أن ينهي حياته مع نهاية عام 2010.
ترك فرانسيسكو فراغًا كبيرًا في الوسط الأدبي، كما ترك الكثير من المشاريع التي كان من المفترض أن يُتمّها، كونه يتقلّد مكانًا هامًا في رابطة الكتّاب النيكاراغويين. لم ينتظر حتى حفل توقيع كتابه المقرر في 3 فبراير من العام الجديد، إذ كان هناك من ينادي عليه من العالم الآخر. لقد ألقى فرانسيسكو بكل ذلك وراء ظهره عندما شدّت عقدة الحبل على أنفاسه قاطعةً إياها، وقاطعةً به مباهج الفرحة التي كادت أن تبقى حتى الساعات الأولى من العام الجديد.
وُلد فرانسيسكو في مدينة إستيلي شمال نيكاراغوا (1977)، وتبنّت موهبته الشعرية الشاعرة النيكاراغوية كلاريبل أليغريا، التي تتلمذت على يد الإسباني خوان رامون خيمينيث. حصل ديوانه «أحدهم يراني أبكي في الحلم» على جائزة إرنستو كاردينال للشعراء الشباب عام 2005، ونشر «صورة لشاعر شاب مخطئ»، وهي عبارة عن أنطولوجيا للشعر النيكاراغوي لشعراء جيله كتبت مقدمتها الشاعرة النيكاراغوية جيوكوندا بيللي.
نُشر عدد من قصائده في أنطولوجيات شعرية، منها: أنطولوجيا القرن العشرين في نيكاراغوا «أبناء المينوتور» (1950-2008)، وأنطولوجيا الملتقى الخامس للشعر «كارلوس بييسير» للناطقين بالإسبانية في أميركا. كما نُشرت له قصائد في مجلات عدّة في السويد والأرجنتين وبنما وألمانيا وكولومبيا، وفي المذكرات الشعرية لملتقى «دوّار الهواء».
حضر العديد من المهرجانات والفعاليات الشعرية في نيكاراغوا وخارجها، منها مهرجان «الشعر يمتلك الكلمة» في مدريد، والمهرجان العالمي للشعر في السلفادور، والمهرجان الشعري العالمي في هافانا، ومهرجان مديين للشعر العالمي في كولومبيا، والمهرجان العالمي للشعر في كوستاريكا، ومهرجان الشعر العالمي في غرناطة بنيكاراغوا عام 2010.
في ليلة رأس السنة، 31 ديسمبر 2010، وفي تمام الساعة الحادية عشرة ليلًا، قرر فرانسيسكو أن ينهي حياته بتعليق نفسه بالمشنقة في بيته في ماناغوا، بعد أن أخبر أصدقاءه أنه لا يرغب بالاحتفال معهم تلك الليلة.
المقابلة
هذه مقابلة أجراها الشاعر الإكوادوري أوغستو رودريغس مع فرانسيسكو، إذ التقى به في فبراير 2010، حين كانا من الشعراء المشاركين في المهرجان العالمي للشعر في غرناطة - نيكاراغوا.
فرانسيسكو، متى ولماذا بدأت بكتابة الشعر؟
كنت بحاجة إلى النسيان، أن أنسى تمامًا من كنت. فمنذ أن كان عمري 14 عامًا، قطعت علاقتي نهائيًا مع أمي بالتبني، التي لم أتمكن يومًا من إقامة حوار جدي معها. افترقت عنها في ذلك العمر، وبعد سنتين انتقلت إلى العاصمة ماناغوا التي تبعد 150 كم عن إستيلي مسقط رأسي. ومن خلال القراءة تعرفت على أليخاندرا بيثارنيك، وسيسار باييخو، كما أعدت قراءة روبن داريو من جديد. علاوة على أن قراءاتي الكثيرة في الفلسفة ألحّت علي بتغيير هويتي، على الأقل تلك الهوية الداخلية، ولذلك لا أزال أحمل من الماضي اسمي فرانسيسكو، بينما أحتفظ بفكرة بسيطة فقط عما حدث معي من قبل.
في سن السادسة عشرة، ساعدني الشعر على بدء حياة جديدة ومغامرة عميقة كنت أواجه فيها الوحدة وموتي الخاص وذاتي معًا، واجهت فيها الأنا التي كانت بحاجة للإلغاء بأي ثمن. لقد ساعدني الشعر على الاختراع، فكما يقول أنطونيو ماتشادو: «الحقيقة تُخترع»، عندها بدأت باختراع حياتي الخاصة من خلال الشعر، وأستطيع أن أقول إن ما هو مكتوب في قصائدي هو الحقيقة الوحيدة الموجودة في حياتي؛ لقد اخترعت كلماتي حقائق جديدة. إنني أكتب الشعر كي أحطّم صورة طفولتي، وكي أمنح نفسي فرصة جديدة للوجود أتّبع فيها قوانيني الخاصة. لقد تمكّن الشعر من انتهاك حياتي الخاصة فعلًا.
بمن تأثرت من الشعراء، ومن منهم لا يزال عالقًا في ذهنك؟
مرجعي الرئيس هي الشاعرة النيكاراغوية - السلفادورية كلاريبل أليغريا، تلميذة الحائز على جائزة نوبل للآداب خوان رامون خيمينيث. لقد كانت كلاريبل أول من قرأ وراجع قصائدي الأولى، وهي من أوجدت لي عملًا، وقد اتبعت نصائحها الحكيمة التي تعلمتها من جوزيف كامبل في كتابه «اتبع نعيمك».
مرجعية أخرى كانت الشاعرة أليخاندرا بيثارنيك التي تعرفت على شعرها عام 2000، عندما انتحر أعز أصدقائي. كنا نتشارك الغرفة في السكن الجامعي، كما كنا نتشارك الاسم نفسه أيضًا، إذ كان يُدعى مثلي فرانسيسكو. صعد إلى برج الإذاعة على مسافة 100 متر وألقى بنفسه من هناك، أتتخيل؟ لقد كان ذلك مريعًا حقًا. لقد كنت ظلّه المتروك وحيدًا في الظلمة. كانت بيثارنيك تعني له كل شيء في ذلك الوقت، لم تكن مرجعيته فقط، بل كانت دليله إلى الموت. لقد شكّل موته صدمة لي، وعدت ذلك الشاعر القاتم الحزين لعدة سنوات، مع ذلك فإنني أعتقد أن ثيمة الموت لم تعد تطاردني. هناك مرجعيات أخرى مثل سيسار باييخو، روبن داريو، أنطوان تشيخوف، وفي الحقيقة هم كثر ومختلفون.
تتغذى قصائدك من روافد متنوعة من الخيال المدني والاجتماعي والثقافي، حدثنا عن شعرك؟
يتغذى شعري على الخيال الذي يتغذى بدوره على تجاربي، لكن ما يحدث الآن هو أمر جميل فعلًا، إذ إنني كلما استمعت إلى أحدهم يروي قصة، أبقى صامتًا، أستمع باهتمام، وأكتب بسرّية، ثم أحاول تخيّل نفسي في تلك القصص. إنني أعيش حياة الآخرين عن طريق الشعر، وأظن أن الشعر قد أعطاني رخصة لفعل ذلك.
حصل ديوانك «أحدهم يراني أبكي في الحلم» على جائزة إرنستو كاردينال للشعراء الشباب 2005، حدثنا عنه.
هذا الكتاب يعكس سيرتي الذاتية، ومع ذلك فإن القصائد المكتوبة تؤكد أن الكلمة تنتهك حرمة حياتك الخاصة، وهذا ما حدث معي. من ناحية أخرى، فإنني أحيانًا أطالع بعض القصائد التي كتبتها وأشعر بالحزن الشديد. وأحيانًا أخرى لا أتعرّف على نفسي في تلك القصائد، كأن شاعرًا آخر هو من كتبها؛ إنه لأمر رائع ألا تكابد الحنين لنفسك.. قد يكون ذلك صعبًا، نعم قد يكون كذلك.
أنت شاعر نشيط ومحرّك ثقافي في بلدك، أخبرنا عن مشاريعك.
أعمل في رابطة الكتّاب النيكاراغويين، وهي المؤسسة الثقافية الأكثر أهمية في نيكاراغوا. أفكر يوميًا بأهمية هذا المكان الذي يجمعني بآخرين حالمين مثلي بالأدب، وهذا يشكل دافعًا لي. فأنا أيضًا محرر مجلة «كاراتولا»، وهي مجلة إلكترونية ثقافية في أميركا الوسطى يديرها الكاتب النيكاراغوي سيرخيو راميرس، الحائز على الجائزة الدولية للرواية، كما أنني أعمل في مشاريع ثقافية أراها ليست أقل أهمية.
كيف ترى مشهد الشعر النيكاراغوي حاليًا، ولمن تنصح بالقراءة؟
المشهد الحالي له حدود تفصل الشعر القديم من 1960 إلى 1990 عن الشعر الحديث من 1990 حتى الآن. فقد بدأ خوسيه كورونيل أورتيتشو شعر الحداثة منذ الستينيات، وفي السبعينيات من القرن الماضي تابع معه إرنستو كاردينال، الذي أصبح من أهم المرجعيات الشعرية في نيكاراغوا، بينما كان الشاعر ليونيل روغاما يدعو إلى المحافظة على القيم الجمالية والأخلاقية في الشعر. ثم جاءت فترة الثمانينيات حين انتصرت الثورة الساندينية وتحرّرت القصيدة أكثر من خلال ورشات عمل كانت تقيمها وزارة الثقافة آنذاك.
بعض الشعراء الحاليين متفقون على أن الشعر فقد كثيرًا من قوته في فترة الثمانينيات عندما ساد الشعر العامّي والواقعي، وقد انتقد ذلك النوع الشاعر النيكاراغوي كارلوس مارتينيس ريفاس، الذي وبّخ بطريقة قاسية إرنستو كاردينال، متهمًا إياه بإضاعة مستقبل الشعر، ومؤكدًا أن الشعر النيكاراغوي سيفقد الأرضية التي يقف عليها بسبب مغامرات شعرية فاشلة. هذه القصة يرويها الكاتب الهندي سلمان رشدي في كتابه «ابتسامة اليغوار».
بعد هزيمة الساندينيستا في انتخابات 1990، انتهى المشروع الثقافي للثورة، وبدأ شعراء آخرون بالانفصال عن المدرسة القديمة، وأعني بذلك جيل الستينيات. ومع ذلك فقد بدأ كثير من الشعراء بطرح مواضيع جديدة تعكس دواخلنا، مركزين على الأنا، فقلّة الآن هم الشعراء الذين يكتبون عن الحرب والنضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان والفقر وما إلى ذلك. الآن يقتربون في أشعارهم من مواضيع كالعدم والموت والوحدة والقلق الوجودي. والسؤال هو: هل تعكس هذه القضايا الانقسام في تاريخ بلدي؟ ربما يحتاج ذلك إلى تحليل وصفحات كثيرة. أنصح بقراءة سيرخيو راميرس، كلاريبل أليغريا، جيوكوندا بيللي وغيرهم، أما من الشعراء فيكفيك أن تقرأ لواحد هو: كارلوس مارتينيس ريفاس.
لم يعد الشعر يُقرأ، الشعراء فقط يقرؤون لبعضهم البعض، هل الأمر فعلًا كذلك؟ وما العمل لإيصال الشعر لأكبر شريحة من المجتمع دون أن يتنازل في الوقت ذاته عن ذائقته الراقية؟
أعتقد أنك محق في ذلك، أما عن الطرق فأقترح عمل ملاحق ثقافية بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة، للسماح للشعراء والكتّاب بقراءة أشعارهم وكتاباتهم في تلك الصروح العلمية. على إحدى الجمعيات الثقافية أن تأخذ زمام المبادرة بإدارة مشروع يهتم بتقديم خدمات لوجستية للشعر، والمؤسسة التي أعمل بها هي جزء من تلك الخدمات.
أقترح على الشعراء والكتّاب الذين يرغبون في أن تصل أعمالهم إلى العامة أن يقرأوا فعلًا أشعارهم في الأماكن العامة وهم جالسون على مقعد في باص أو في حديقة. إن هذه الشرارات السريالية، كرشقات نارية، تشحذ أذهان الناس وترقى بذائقتهم.
إن للشعر قوة، لقد جرّبت ذلك فعلًا وتفاجأت بالنتائج، ما علينا هو ابتكار طرق لتقديم الأدب والفن للناس، وهذا ليس صعبًا، ما ينقصنا هو الإرادة.
