تحت عناوين مثل "بورخيس يستلهم من الثقافة العربية" و"أثر التراث الشرقي في أدب بورخيس" وغيرها من الكليشيهات التي تحتفي بتأثير الثقافة العربية على أدب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، نقرأ كثيرا من النقد العربي وجله يصب في التمجيد بأدب الكاتب العالمي الكبير الذي نهل من منابع معظم الثقافات ومنها ثقافتنا العربية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل أثرت تلك الثقافة في المواقف السياسية لبورخيس؟ هل كان ذلك الأدب الإنساني الرفيع الذي أثرت فيه فلسفات وحضارات وأدبيات العالم ليحمل ذلك الأديب على اتخاذ موقف إنساني من قضية إنسانية في المقام الأول هي القضية الفلسطينية، أم أن علينا –نحن العرب- الالتفات إلى نتاجه الأدبي فقط واهمال موقفه السياسي الذي لا يختلف عن موقف أيّ كاتب إسرائيلي متطرف؟
صحيح أنه لم يُعرف عن بورخيس استخفافه بالعرب في أي من تصريحاته بل ربما على العكس كان يُقدِّر الثقافة العربية، لكن نظرةً إلى موقفه السياسي تجاه فلسطين تجبرنا على التفكير أن بورخيس قد فرَّق بين العرب كثقافة وكقضية سياسية وإنسانية؛ ففي عام 1967 ظهر انحياز بورخيس إلى دولة الاحتلال جليّاً في تصريحه: "... بدون اسرائيل فإن التاريخ سيبدو غريبا. إسرائيل ليست فقط فكرة مهمة للحضارة، بل هي فكرة لا غنى عنها. لا يمكن تخيل الثقافة دون إسرائيل".
مُتبعاً اعجابه بقصيدة "إلى إسرائيل" يقول فيها:
إلى إسرائيل
من سيخبرني إن كنت تجرين
في متاهة أنهار دمي الضائعة منذ قرون
يا إسرائيل؟
في أي الأماكن طافت دماؤنا؟
لا يهم، أعلم أنك:
في الكتاب المقدس المطوِّق للزمن
في تاريخ آدم الأحمر
وفي ذاكرة وعذاب المصلوب.
في هذا الكتاب أنت،
مرآة تُرى فيها:
الوجوهُ المنحنيةُ على نفسها
ووجه الرب الكريستالي القاسي
حيث الفزع في الثنايا.
بوركت يا إسرائيل، لتحمي جدار الرب
في قلب المعركة".
من الواضح أن بورخيس يعتزّ بوجود دماء يهودية تجري في عروقه من جهة أمه وقد أعلن عند سؤاله عن ذلك اكتشافه أسماء مثل أسيفيدو وبينيذو -وهي عائلات يهودية إسبانية كانت من أوائل العائلات التي سكنت الأرجنتين- في عائلته. مؤكّدا على ذلك بقوله: "وحتى وإن لم يثبت ذلك فإنني أريد التأكيد على ما قلته سابقا في أكثر من مناسبة: من المستحيل تخيل الحضارة الغربية دون الإغريق واليهود. إن كل شخص لديه شيء ما من تلك الحضارتين. وبذلك يمكنني التعبير عن امتناني للشعب اليهودي، وقلقي على إسرائيل عند اندلاع حرب الأيام الست."
اختلف الباحثون في اثبات أصوله فبينما ترى الباحثة إدنا آيزينبيرج أن بورخيس كان أرجنتينيّاً ولم يكن يهودياً استخدم البوابة السفاردية للدخول إلى الثقافة اليهودية، مترجماً اهتمامه بالانتماء لمركز الدراسات السفاردية عام 1965، ينقل برناندو إزيكيل كورومبلت عن بورخيس قوله: "أحد أسباب سعادتي أن أفكر أنه بامكاني الانتماء لشعب موسى بن ميمون، لشعب إيهوذا هاليفي والسفيروت".
تأثُّره بالكابالا
لم يكن اهتمام بورخيس منصبّاً على الصوفية الإسلامية فقط، بل إن معظم النقاد الهسبانيين (الناطقين بالإسبانية) أشار لتأثره بالكابالا (الصوفية اليهودية) وخصوصا في كتابه الألف الذي يشيد معظم النقاد العرب ببصمات الصوفية الإسلامية فيه.
لقد تقاسم بورخيس مع الكابالا نظرتهم للكلمة والحرف فكلاهما كان يرى أن فيهما معنى خفيًّاً، وأنهما يتمتعان بذات قداسة الكتاب.
وكما الكاباليين، عمل بورخيس على تخصيص نتاجه الأدبي للكشف عن سر الخلق الكوني باعتباره غائيَّتهم اللانهائيَّة، إلَّا أنَّ السَّمة المستحيلة لتلك المحاولة هي ما تستهويه، مؤمناً أن الكاباليين لم يكتبوا كي يُسهِّلوا الحقيقة بل كي يُلمِحوا إليها ويُحفِّزوا بحثهم.
واضافة لأصوله اليهودية وانتمائه بشكل أو بآخر للفكر الكابالي فإن بورخيس لم يكن ليخفي اعجابه الشديد بالمثقفين اليهود أمثال شونيم وهاينه وسبينوزا وكاسينوس أسينس، وكان قد كتب في الأخيرين قصائد يمجدهما واضعاَ كليهما في مصاف مُعلّميه الكبار.
غزلٌ بإسرائيل وتجاهلٌ عربي
لقد كانت إسرائيل بالنسبة لبورخيس الأمة العتيقة الشّابة التي كان عليه الوقوف إلى جانبها والقلق على مصيرها. عام 1969 يهدينا بورخيس قصيدة أخرى يُعبر فيها عن قلقه على "أرض الحليب والعسل" كما كان يصفها:
خشيت على إسرائيل
من هذا الحنين المتربص بعذوبة ماكرة
المتراكم ككنز حزين منذ قرون الشتات:
في مدن الجحيم، في الأحياء اليهودية،
في نهايات السهوب، في الأحلام،
حنين أؤلئك الذين يتوقون إليك يا قدس،
بجانب مياه بابل،
ماذا كنت غير هذا الحنين يا إسرائيل؟
غير تلك الرغبة في النجاة من تقلبات الزمن؟
غير كتابك القديم الساحر
غير صلواتك وعزلتك مع الرب؟
ليس الأمر هكذا.
فأقدم الأمم هي أكثرها شبابا،
لم تُغرِها أسماء الجنائن،
ولا الذهب وضجره
بل باصرار كانت: وطنا أخيرا.
قالتها إسرائيل دون كلمات:
ستنسين من أنتِ
ستنسين الآخر الذي تركتِهِ
ستنسين من كنتِ في البلاد
التي منحتكِ مساءاتها وصباحاتها
والتي لم تمنحينها حنينك
ستنسين لغة آبائك وتتعلمين لغة الفردوس
ستكونين إسرائيل، ستكونين جنديا
ستبنين مستنقعات الوطن، ستعمّرين صحاريه.
سيكون أخوك الذي لم تري وجهه قط
بجانبك
فقط نعدك بأمر واحد
أن يكون لك مكان في المعركة.
ولم تكن إسرائيل لتغفل مساندة هذا الصوت العالمي المهم على الساحة الأدبية فقامت بتكريمه عام 1971 بمنحه جائزة القدس التي تعد أعلى تكريم تمنحه الدولة. وفي حين عبر بورخيس عن سعادته بالحصول على الجائزة وبوجوده في القدس بقوله: "لا يوجد مدينة في العالم بأسره يتاق المرء إليها كالقدس. إنها الكأس التي تنسكب وتتراكم فيها الأحلام والتهجدات والصلوات ودموع من لم يرها أبدا لكنه شعر بجوع وعطش نحوها"، لم تُسمع أصواتٌ عربية تدين زيارته تلك أو ربما كانت في حينها مبحوحة.
لن يكون بورخيس أول ولا آخر كاتب تعجبنا نصوصه الأدبية وتقلقنا مواقفه السياسية، ولسنا مع الأخذ بالأديب ككتلة واحدة بل مع التفريق بين هذين الأمرين، إلا أننا نرسم علامة استفهام كبيرة حول موقف المثقفين العرب الذين تباينت آراؤهم في أدباء أمثال سعيد عقل أو كافكا بينما نظروا إلى النصف الممتلئ من الكأس فيما يتعلق ببورخيس، فكان استخدامه لأدوات الثقافة العربية في أدبه كفيلاً بتجاهلهم لموقفه السياسي.
